دراسة في الفكر الإباضي عمر بن الحاج محمد صالح با [دارس عن الإباضية]

دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٦

الإباضية كمذهب

الإباضية – في الصحيح – واحد من المذاهب الإسلامية، ولعله أقدم وأعتق مذهب إسلامي، فله جذور ضاربة في عمق التاريخ الإسلامي ويمكن فهم ذلك بسهولة خلال مقارنة تاريخية بين مؤسسي المذهب الإباضي، أمثال عبد الله بن أباض، وجابر بن زيد الأزدي البصري "التابعيين" وبين مؤسسي المذاهب الأخرى، فالإباضية والجعفرية أعتقدهما لدات بصرف النظر عن الاشتهار وعدمه.

فالمذهب الإباضي ينسب إلى عبد الله بن أباض السابق ذكره، وهو تابعي كبير له مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي. غير أن الإباضيين يفضلون نسبة مذهبهم إلى جابر بن زيد الأزدي العالم المعروف المشهور، ويقولون: إن خصومهم هم الذين "فرضوا" عليهم هذه التسمية، أي الإباضية، بدلاً من "الجابرية"، فعبد الله بن أباض كان رجلاً دعا المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وذلك عقب الأحداث التي امتحن بها المسلمون وافتتنوا بمحاربة بعضهم بعضاً أيام خلافة الإمام علي، جزاء تمرد معاوية وشقه وحدة كلمة الأمة المسلمة ورفضه الانصياع للإمام الشرعي. ومن خضم تلك الأحداث وما تمخض عنها من ملابسات متشابكة، وما تولد عنها من قضايا معقدة متلاحقة، فيما بعد انبثقت من خلال غبار تلك الصراعات السياسية أفكار ومبادئ أخذت لها حيزاً في الوجود الفكري في المجتمع الإسلامي.

فعبد الله بن أباض كان واحداً ممن عركتهم تلك الأحداث وخرجوا منها باقتناعات معينة، فغدا يدعو الناس (المسلمين) إلى الكتاب والسنة، لا يهاب الجبابرة، ولا يحابي الظلمة، ولا يداهن في الدين، وكما أسلفنا فإن إمام المذهب (فقهياً) هو التابعي الكبير والعالم الجليل جابر بن زيد الأزدي البصري "العماني مولداً" وكان واحداً من الذين اعترف لهم ابن عباس بالباع الطويل في العلم، لقد روى البخاري عنه، وبذا يكون "قد جاوز القنطرة" على حد تعبيرهم.

غير أنه مما يؤسف له حقاً أن المسلمين من بقية المذاهب، ظلوا إلى سحاب نهار يومنا هذا يحملون انطباعات غير أخوية ولا إيجابية "عما يعرف بالفرق" مثل "الإباضية" "الزيدية" "الجعفرية"، نتيجة أوهام مصدرها تخمينات وسوء ظن.

٢٦ / ١١٤