دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧وكان من الممكن ألا يستمر ذلك طويلاً؛ لأن كل ما تولد عن سوء فهم يمكن إزالته بالتفاهم ومبادلة الآراء.
غير أن تباين المواقف، عندما يتصف بالأنانية، فمن النادر أن يؤدي إلى اتفاق وتفاهم، ذلك لأن "أهل السنة" – كأغلبية مطلقة من بين المسلمين – هم المطالبون بالإصغاء إلى شكاوى الأقليات "الفرق" وإتاحة الفرص لها لعرض حججها بروح رياضية دمثة، غبر أن هذا مما لم يحدث، فسرعان ما برى علماء منهم أقلامهم ليكتبوا عن الفرق بعنف لا يقل عن عنفهم عندما يكتبون عن الخصوم من أهل الأديان الأخرى، فوصفوها بالفرق الضالة الهدامة التي على المسلمين محاربتها والحذر من أفكارها. وهي كتابات – في الواقع – ملؤها الوهم والطعن نابعين عن عدم الإخلاص، كما أنها كتابات لم تخل مما يدل على جهلهم بالموضوعات التي طرقوها. ولم يقرهم على ما قالوه المكتوب عنهم. فعجبي لا ينتهي من إنسان يضع نفسه "المقيِّم" لأعمال عباد الله، يكفر من يشاء، ويتوب على من يشاء، فإن الإيمان والكفر ملك يديه يمنع هذا، ويمنع ذاك، وكأنما الجنة مزرعة خاصة له يفتح أبوابها لمن شاء ويوصدها في وجه من يشاء.
ونظراً إلى كون هؤلاء (كتاب مقالات الإسلاميين) يعتبرون من كبار العلماء، لذا أصبحت كتاباتهم ومقالاتهم المراجع الأساسية لمن يريد معرفة شيء عن الفرق، مما أتاح لمعلوماتهم الاستمرارية، فأصبحت منابع للأقلام المتأخرة. والحق أن معظم الكتابات المعاصرة تكاد تكون مجرد اجتراء لما سبق وكتبه الأوائل، فالمكتبة الإسلامية على الرغم من امتلائها بكتب ذات عناوين عصرية موحية بالحداثة، فإن المتصفح لها لا يكاد يجد فكرة جديدة، أو رأياً مستنبطاً بالاجتهاد بديعاً، فكلها نسخ، ونقل، ومسخ، بالمد حيناً، والمط آخر، والتحوير طوراً. فنادراً ما يوجد كتاب يضع المراجع التقليدية، التي فقدت طعمها، من كثرة ما ليكت جانباً، محاولاً الإتيان بجديد في موضوع قديم وكأن هضم أقوال السلف والتشدق بها غاية العلم ومنتهاه.
والذي نرى أن الضرورة قد اقتضته هو الرجوع إلى مراجع الفرق وكتبهم التي كتبوها، لمعرفة أفكارهم وآرائهم سليمة غير محكية على ألسنة غيرهم، فإن مراجعهم متوافرة، وفي متناول يد كل من يريد الاطلاع عليها.