دراسة في الفكر الإباضي عمر بن الحاج محمد صالح با [دارس عن الإباضية]

دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦

تصدير

حتمت الظروف علي، وشاءت الأقدار لي، أن أضرب في الأرض طالبا للعلم وسائحا في آن معا، وكنت أول الأمر مستاء لوضعي؛ حيث لم تسمح لي الظروف في أن أعيش في بلادي مستقرا ودارسا فيها، كما قدر الله لغيري من أبناء بلادي، واستثناهم القدر عن مكابدة صعاب الاغتراب، وحالفهم الحظ السعيد في تلقي العلم في مسقط رأسهم، ووسط أهلهم، بدون أن يتجشموا مشقات الأسفار، ومتاعب الترحال، وعناء الغربة، وويلات مفارقة الأوطان؛ وفي الشرق، حيث قصدت مع من قصد لتحصيل العلم، أرغمتني الظروف أيضا على التنقل في أكثر من بلد لأسباب كثيرة؛ غير أني سرعان ما بدأت أجد فائدة في أسفاري وتنقلاتي، حيث أتاحت لي فرصة الاختلاط مع مختلف الشعوب، وشتى الثقافات، وأضراب من النحل والملل والأديان والفلسفات، وعشت عيانا ما كنت أسمعه كقصص وأخبار، وخابرت مشافهة ما كنت أقرأ وأطالع كحكايات، فإذا هي فائدة كثيرة، فإذا هو علم جم، منّ الله عليّ به، في حين كنت أعتقد، محنة رماني إليها سوء الطالع غير أني – وفي جميع أسفاري – كنت شديد الحرص على الاتصال بالمسلمين حيثما وجدوا، لأسمع عنهم وأستفيد منهم، ولم أتقيد بقيود " المذهبية "، ولم أتأثر قط بدعوتي " الطائفية " وروضت نفسي على عدم القبول لما يقال عن " فرقة " أو " طائفة " حتى اتصل بتلك الفرقة، وأتعايش معهم، وأسمع منهم، وأقرا لهم ما تيسر، وأفهمهم كما هم، حارصا على إقصاء الزائف من العلم والمعلومات عن دماغي قدر الإمكان، واضعا في عين الاعتبار أن البشر هم ذوو تكوين واحد فلا يمتاز بعضهم عن بعض شيئا، ولا تعطينّ فلانا عقلك يحشو فيه ما يشاء من أخبار يسميها المسلمات من حقائق العلم وجواهر المعرفة، وتظل أنت أسير

توجيهاته ومخزن معلوماته، وسوى القرآن الكريم؛ فإن كل وقع في يدك فاعلم أن فيه صوابا وخطأ، ولا تسلم مبدئيا صحة كلام معين من إنسان معين، أو سقم كلام معين من إنسان معين، سوى الأنبياء والرسل لما لهم من منازل إلهية؛ ولما يحيط بهم من عناية ربانية، غير أن كلام هؤلاء أيضا دخل فيه ما دخل، وتلاعبت فيه الأهواء؛ إن أي خبر وصلك افترض وجود نسبة مئوية فيه من الصحة، وعدم الصحة، ما عدا تلك

٦ / ١١٤