أحكام الانتفاع بالعارية في الفقه الإسلامي السابقي، زاهر بن سعيد بن محمد

أحكام الانتفاع بالعارية في الفقه الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢

مقدمة

الله

بسم

الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرع لنا الإسلام، وجعل به الحياة في أنعم هناءٍ وأبدع نظام، وفجر لنا القرآن الكريم عينا لا تنضب، فأصدرنا والكل ريان هائم، وبعث لنا محمدا صلى الله عليه وسلم شمسا لا تحجب، فبانت به للسالكين المعالم، صلوات الله وسلامه عليه ما خفق قلب بحبه، وما سار مقتد بدربه، وعلى آله وأصحابه الأطهار، وعلى من اقتفى تلك الآثار واستضاء بتلك الأنوار، وبعد

فإن الإسلام الحنيف جاء ليضح الحياة الفاعلة في أوصال البشرية، ويأخذ بيدها إلى العيش الكريم في الدارين محددا لها مسارها إلى السعادة والرقي ومنظما لها تفاصيل حياتها بما يضمن لها الانسجام التام مع الكون بأسره، ابتداء من انسجام الإنسان مع نفسه وما تكنه من عوالم مرورا بانسجامه مع إخوانه البشر، وانتهاءً بمصيره الأبدي.

ولم يكن الإسلام مقتصرا على الإنسان ذاته، بل جاء لينظم معاملاته مع غيره، وأطر كثيرا منها في إطار شرعي، يكسب تلك التعاملات ربانيةً مشرقة، تضيء للبشر ما يحقق متطلباتهم ويزكي رغباتهم وفق نظام سام لا يُضِيعُ حقا، ولا يُفوّت مصلحة.

إن المتأمل في رفوف المكتبة الإسلامية، يجد فيها مما يتعلق بالمعاملات الشيء الكثير، كل ذلك حتى يتبصر المسلمون في معاملاتهم، فتنصب كلها في بوتقة الشرع الحنيف، لينالوا رضا الله عز وجل، وتجري حياتهم في نظام ووفاق.

إن العقود التي نظمها الإسلام وحصّ عليها لتتدلى ثمارها اليانعة في أيدي العباد، فيقطفون منها ما يقطفون من متطلباتهم ومن تألفهم وتكاتفهم، خاصة في عقود التبرعات التي لها دورها الفاعل في إذكاء روح التعاون والتكافل بينهم، مما يجعل من المجتمع المسلم جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، وربما يصل به الحال ألا يترك للعضو مجالا للتشكي، لما فيه من حس المبادرة والتفقد!

ومن

تلك العقود عقد الإعارة الذي هو موضوع هذا البحث.