قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

نزعات ثلاث تقوم على فطر، مختلفة، وهذه الفطر ستسمر في بني البشر ما دام على وجه الأرض أفراد من النوع الانساني، ولكنا نجد هذه الفطر الثلاث كلها تعمل في نفس أبي نبهان دون أن تطغى واحدة منها على الأخرى انه التوازن أو التوسط والاعتدال دون الميل والاقتصار على شق واحد، والسالك في سبيل ذلك يرقى في سلوكه إلى طريق محبة الله - تعالى- وذلك ما يشير اليه بقوله (الحب أصل يقتضي وجود رضى المحب بما يكون من محبوبه، ألا وانه لشرفه - أي لشرف الحب - مراد العارفين؛ وغرام العاشقين، وبغية المريدين، ومطمح نظر الصديقين، لأن ثمرة رضى العبد عن الله، رضى الله عنه، وناهيك بهذا شرفا وفضلا؛ كيف ما وراه اجمع، لا شك فيه، أنه له تبع، والناس على اختلاف أحوال في الرضى مهما كان وقوع القضاء على وجه يخالف الهوى، لأن منهم من لا يريد أن يناله شيء من الضراء والشدة والبلاء، ويكره بالطبع، ويحس بألم ما أصابه، ولكنه يرضى بما منه يبتلى، ومنهم من .. (1) ويحس في قلبه بألمه ولكن لما يراه من عظم ثوابه يريده ويرضاه .. ومنهم من استغرفه الهوى واستولى على قلبه حب المولى حتى لا يحس بألم البلوى فلا يعرف الشكوى، إذ لا فرق معه بين الشدة والرخاء، والعافية والبلاء في أمثالهان فهو على حال يرضى بكل ما أولاه على الاطلاق كيف ما كان، فيحبه ويريده لا لثوابه ولكن لمراد من يهواه، إذ قد فنى عن نفسه في حضرة قدسه حتى لم يكن له مراد لا ماله أراد، هذه المنزلة هي أعلى درجات هذا المقام والواصل إليها لعزها على علوها وشرفها في سموها من

الناس قليل) (2).

هذه نماذج أثر الجانب الالهي عندما يشرق نور الايمان في نفس الانسان ويتحول معه إلى سلوك فعال وينطلق في أعماله وأقواله مستنيرا بهذا النور وقد يجد لذلك علامة تظهر له سلامة المسلك ويشير إلى المعنى أبو نبهان فيقول: (وامارة بلوغها - أي بلوغ المحبة - الفرح والسرور بما يرد عليه من الجانب الالهي فتستوي معه الشدة والرخاء والعافية والبلاء، والفقر والغنى والمنع والعطاء وأن يسر بوجود الضراء كما يسر أهل الدنيا بالسراء، وأن يكون كما حكى عن عبد العزيز أنه قال: «ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر. قيل له واي شيء تشتهي؟ فقال: ما يقضي الله - تعالى - وأنى يسمح الزمان بمثل هذا الانسان!! لقد عز على تبسيط الأرض

وجوده) (3).

وخاتمة القول: إن أبا نبهان أسهم اسهاما واسعا وعميقا في دراسة الجانب الالهي أو العلاقة بين الله والانسان والحياة والكون، وهذه الدراسة جديرة بأن تحظى بهمة كبرى من خلال بحث عميق في مدوناته، وتحقيق دقيق في كنوز آثاره، والغوص في محيط بحاره وما تمت الاشارة إليه في هذا البحث المختصر ما هو إلا دراسة مسحية سطحية لا تؤدي للشيخ حقه، ولا تفي بجهده الذي بذله، ولكنها قد تكون أول خطوة في سبيل هذا الطريق، والعزم معقود - إن شاء الله ـ على بذل المزيد من الجهد في البحث والتحقيق، ولعل ما تم عرضه في هذه العجالة بان لذوي

1 - بياض بالأصل

2 - شرح حياة المهج ص 181 مخطوط مصدر سابق

- المصدر السابق ص 182.

- 164 -