قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

الموكل بالوحي والذي ترتسم فيه كل الصور. .. حسب زعمه. وتنتقش فيه كل العلوم والمعارف الغيبية، والانسان لا يبلغ هذه الدرجة إلا بالمجاهدة والرياضة وتصفية النفس وذلك بأفعال ارادية بعضها أفعال فكرية وبعضها بدنية وليست بأي أفعال اتفقت (1). والكشف عند أبي نبهان هو عبارة عن إظهار الشيء برفع ما يواريه من الأستار بواسطة الأنوار. وهذا ما يسميه أيضاً بالمعراج النفسي. ويرى أن الكشف أعلى مرتبة من العلم واليقين ولكنه خاص لبعض الواصلين فيقول: «هذا النوع من العلم كأنه لمزيد الكشف أعلى من العلم واليقين درجة لكنه على الخصوص للعارفين من الناس المكاشفين بالأسرار».

ويري

أن هذا النوع من العلم يمكن التعرض له وطلب حصوله فيقول: «التعرض له. أي الكشف. بتجريد مرأة القلب وجلائها حتى تخلص من جميع الأكدار فتصير في نهاية الاشراق بالأنوار ممكن، وحينئذ تطلع فيه شمس الايمان بأنوار العرفان، وتنجلي له الحقائق من أفق سماء الغيب عن تصور كشفي يعود به نفس الخفى في حقه مثل الجلى، وذلك لزوال الموانع وانحراف النفس عن عالم الملك في مقابلة عالم الملكوت الفسيح الميدان لأفراس الجنان، فتنطبع فيها الحقائق الالهية وتتجلى له الأسرار الملكوتية، فيراها بعين البصيرة لصفاء السريرة رؤية هي أجلى من رؤية العين، وتنكشف له في ذاته غوامض جواهر أسمائه - تعالى - وصفاته فيلج في بحارها ويلتبس بأنوارها ويحظى بأسرارها، وعند ذلك تندفع الظلم من الباطن فتفيض بالأنوار، فتنفجر ينابيع العلوم من داخله بالأسرار فتفيض على لسانه كالبحار». ويستدل على ذلك بالحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من أخلص لله أربعين يوماً

ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.

ثم يقول: وهذا أمر عزيز لا يناله الأحاد من الناس إلا بعد المجاهدة في تخليص القلب من الأدناس، والله من فضله وجوده يرجى أن يمن به على مريده بقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم» (2) وأما على غير صدق المجاهدة فيه بالحق فلا. فالانسان لا غنى له عن ربه، والانسانية لا غنى لها عن الدين والدين لا قوام له بدون الحب والخشية، ومن هنا كانت حاجتنا إلى هؤلاء العشاق العارفين خزنة أسرار المعرفة، الذين يشعلون زيت الفطرة في حنايا القلوب فيحرق لهيبه كل الأوهام ويولد الانسان من جديد والناس في نزعاتها الفطرية متفاوتة وقيل إن هناك ثلاث نزعات فطرية في نفس الانسان فبعضهم واقعي يتجه إلى النص ولا يريد أو لا يمكنه أن يسير إلى أبعد منه ويمثلهم الامام احمد وبعضهم يحتفظ بشخصية قوية جارفة لا تلين فهو عقلي أو اعتزالي وبعضهم رقيق الشعور، مرهف الحس، ملائكي النزعة فهو بصيري أو صوفي. ويمثلهم الحارث المحاسبي.

1 - المرجع السابق ص 38. - شرح حياة المهج ص 151 بتصرف مصدر سابق.

- 163 -