قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٦٧الدين.
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وعلى صحابته ومن تبعه باحسان إلى يوم ان الحياة الدنيا مليئة بفنون الملذات ومختلف الشهوات ما فتئت من عراك الإنسان حتى يصبح صريع رونقها وغرورها. وهذه المعركة معركة خطيرة جدا، لأنها ستفضي إما إلى نعيم مقيم في جنات عدن أو إلى نار تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى. ولذلك فقد زود الله - جل شأنه ـ الإنسان بدروع واقية أقوى من الفولاذ بل أقوى من قوى الأرض جميعها. هذه الدروع هي الإيمان به والتمسك بالأخلاقيات والمبادئ التي جاء بها أنبياء الله ورسله الكرام الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى البشر ويبقى المجال في الأخذ بهذه الدروع أو الترك لبني البشر أنفسهم.
وإنها لسخافة في عقول هؤلاء أن يروا المعركة حامية الوطيس، فاغرة فاها تلتهم الجميع ليسقطوا في ميدان المعركة صرعى في نفس الوقت يرون أن هناك أحدا يمدهم بالسلاح للتغلب على العدو، ومن ثم نجد النكوص والتردد في أخذها. لقد عاش صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متمسكين بحبل الله المتين لأنهم عاشوا والقرآن والسنة هما المشرعان لحياتهم، وماتوا على ذلك، وكسبوا المعركة بل كان لهم خير الدنيا وخير الآخرة. وصدق الله العزيز القائل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). وانغمس المسلمون بعدها في ملذات الحياة الدنيا وانبهروا بكنوز فارس والروم فأخذت الدنيا تتزين لهم بأثوابها القشيبة ورونقها المغرور فانحرفوا عن المسار الرباني إلا من رحم الله. ودخل في الإسلام كثير من الطوائف من الشرق والغرب، وادخلوا معهم شيئا من بهرجتهم وعاداتهم، فوجد انفصام في حياة المسلمين فوجدنا من تسمى بالخلفاء قد ماعوا في حياة الترف من جوار حسان وقصور منيفة وخدم وحشم. في المقابل نجد أن علماء الأمة وأمناءها قد قوبلوا من قبل هؤلاء الحكام بالتعذيب والتشريد والتقتيل، فظهرت من جراء ذلك جماعة تنشد حياة الروح التي هزمتها المادة في ميدان الحياة، وكان ظهورهم بمثابة ثورة ضد الأوضاع الراهنة في ذلك العصر وإن كان لهم أصل قديم كما سيأتي ذكره. هذه الجماعة تسمت باسم الصوفية وكان هدفهم الأساسي تصفية النفس وتهذيبها
- 17 V-