قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

على يديه الكثير من الأمور إبتلاء للمؤمنين. (فلا حسن الإيمان يقتضي وقوع خوارق، ولا وقوع خارق دليل على حسن الإيمان) (1). ويقول الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في كشف الكرب: (لا يجزم بحسن الخاتمة بالكرامات فإنها تقع على يد مخالف كما تقع على يد موافق وعلى يد عابد نصراني راهب إذا زهد مثلا) (2). فالكرامات التي يقصدها قطب الائمة هي ـ ما تلفت انتباه الناس من خرق لعادتهم وليست من قبيل التكريم.

إن المرء الذي وهبه الله - عز وجل - علم الكشف هو الرجل الذي صدق الله في أقواله وأعماله فمن خلق هذا الكون بأسره قادر على أن يهب من يشاء ما يشاء. وما تنكرت طبائع الناس على كرامات المتقين إلا بعد ما اسودت القلوب ورانت وتمددت البطون فزادت وتهافتت العيون للمال فشانت. ولا بأس أن أذكر شيئا من أخبار علماء أهل السلوك من أصحابنا - رحمهم ا الله .. ولكاني انظر إلى قلمي فأراه قد أصابه ما يشبه بالانقباض، كيف لا وهو قادم على شيء مهول واجد نفسي عاجزا عن الوصف لأني ما سأذكرهم لا أستطيع ان أميز واحدا عن الآخر، فكلهم عظماء شوامخ لهم الميدان الأسبق في الفقه والقدم المعلى في حسن السيرة وهكذا شأن من رضع من لبان الوحي وغذته سيرة المصطفى محمد. - صلى الله عليه وسلم - فاختلط ذلك في لحمه ودمه. فهم رجال وأي رجال، أرباب السيف والقلم، فرسان النهار، ورهبان الليل ..

نظروا الدنيافلما علموا انها ليست لحي سكنا ــلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

ولا تستقيم حياة أمة - ولن نستقيم - إذا اتجه أفرادها إلى زخارف الدنيا المتنوعة ونسوا الله. إني أكرر القول: إن الإنسان جسد وروح لا يصح أن نركز على جانب على حساب الآخر. فبالطبع نجد علماء أهل السلوك والكشف، يذكرون الروحانيات في قصائدهم على سبيل تذكير القلب وتليينه بذكر الله، وبمثابة رد فعل لحياة الناس المائجة في بحر الماديات؛ وزخم الحياة المتهافت على المصالح والرغبات وليس تدل من قريب ولا من بعيد، انهم نسوا حق الجسد من أكل وشرب وجماع وراحة. ولكن هناك من الناس من يريدون أن يجعلوا هؤلاء ملائكة، وليسوا كذلك، فهم أناس ديدنهم ذكر الله وتسبيحه وسعادتهم عندما يطبقون منهج الله على هذه الأرض، أمرين بالمعروف ناهين عن المنكر؛ مؤمنين بالله؛ نظروا إلى الجاهلية التي يموج الناس فيها على هذه الأرض فقاوموها؛ وقدموا أغلى ما يستطيع المرء أن يقدمه، ومنهم من قتل وعُذب فداء لهذا الدين وانتصارا للحق. وبسبب استغراقهم في ذكر الله وتسبيحه وحمده نجد أن جميع خلايا الجسم تسبح بحمد الله وتنطق بعظمته يقول في ذلك الإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي (رحمه الله) اعاني تسبيحي بنور جناني فاشهد مني ألف ألف لسان وكل لسان اجتلي من لغاته إذا ألف ألف من غريب اغاني ولا تتعجب ان عجبت فإنها حقائق صدق ليس بالهذيان

1 ركائز الإيمان. محمد الغزالي ص 276. 2 - كشف الكرب. محمد أطفيش ص 106 ج 1.

- 170 -