قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تكلم في هذا الموضوع سماحة الشيخ أحمد الخليلي - حفظه الله - فليراجع ذلك في كتابه القيم الحق الدامغ ليقف معه وقفة المتأمل المستفيد.

-

ولا يذهب ـ كما هو معلوم - أهل السلوك إلى هذا المذهب وهو مذهب الإنكشاف والمشاهدة بالمعنى الذي يوجد عند الصوفية. بل عندهم بمعنى انكشاف حقائق غائبة عن بال الناس، ميزة من الله لهم، وهي من باب الكرامات التي اختصها الله - سبحانه وتعالى - للعلماء المخلصين.

وقد لخص هذا المنهج الإمام شاعر العرب والمسلمين ناصر بن سالم الرواحي في تخميسته للعلامة المحقق الخليلي - عليهم رحمة الله - وفي قصيدة طويلة جدا: لقد كان تحت الختم من قبل بعضه فصار ظهور البرق في وشك ومضه وما انفتح المختوم الا بفيضه يضيق فضا الأكوان عن شرح بعضه وكل لسان كل بل ظل مفحما

علوم تجلى من لدنا) ظهورها ولم يتعلق باكتساب سفورها تجلت بأسرار الرجال بدورها به صحف الأرواح أشرق نورها وحين عن الألواح اذ كن أظلما

تجرد لها إن كنت في القرب ترغب ولا تغلون فالشأن في ذاك أقرب فلست بقرع الباب بالصدق تحجب لذلك فاطلب أن يكن لك مطلب

ترى كل مطلوب سوى ذاك مغرما

- للصوفية المعتدلين كثير من الميزات والمحاسن فقد اهتموا بالجوانب الأخلاقية عند الإنسان والجوانب الإيمانية، ولكنهم كما يذكر عنهم الشيخ محمد الغزالي يعتمدون على خطرات القلوب، فلو ضبطت محاولاتهم في تهذيب النفس بضابط شرعي، وفق الكتاب والسنة لكان الأمر مختلفا. وقد جمع كثير من علماء الأمة بين الفقه والعلم الروحاني فهناك علماء تبحروا في علوم الشريعة، وتفقهوا فيها. واهتموا في نفس الوقت بالتربية الروحية، وصنفوا فيها مصنفات جليلة، نذكر منهم العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي والعلامة ناصر بن سالم الرواحي والإمام الغزالي وابن رجب الحنبلي وغيرهم. بل ظهرت طائفة من الصوفية، اهتمت بالجانبين - الجانب الشرعي والتربية النفسية - كأمثال العلامة الحارث المحاسبي الذي يعتبر أول من ربط بين المعاني الدينية والمسائل الصوفية بعد معالجتها.

9 - فرّق بعض من علماء الصوفية بين الشريعة والحقيقة، ويحكى عنهم قولهم: إنه من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم. (1) وهذا كلام مردود إذ لو كان ذلك كذلك لعذرنا الكافر والعاصي. وقد أسهب ابن عجيبه وهو منهم الكلام في الشريعة والحقيقة. وهذا الكلام مخالف تماما عما هو عليه في المدرسة السلوكية في الإسلام. اذ المرء يوزن بميزان الدين، فما وافق كتاب الله وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - كان حقا، وما خالفهما كان على ضلال مبين. وعلى ذلك سار الصحابة والتابعون والسلف الصالح. واما قضية فصل قضايا الدين هذا شريعة وذاك حقيقة وهذا أمر ظاهر لا بأس في تركه والآخر باطن لا بد من أخذه إذ العبرة بما في القلوب. هذا الكلام كل لا أساس له من الصحة والعبرة بما في القلوب

-198 -