قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ٧٦أولا: تمهيد:
لقد امتزج في تراثنا العربي الجانب اللغوي، والجانب الفقهي امتزاجاً جعل من الصعب فصل أحدهما عن الآخر، وصار هؤلاء المعنيون باللغة؛ فقهاء، وهؤلاء المعنيون بالفقه لغويين؛ .. فأبو عمر
الحرمي - الفقيه المعروف – يقول: (أنا من ثلاثين أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه). وهذه المسألة الفقهيه بخصوص صلاة السهو، فإذا حدث سهو عن أداء صلاة السهو، هل نصلي صلاة سهو
عن هذا السهو
ويقول الشيخ: لا؛ لأن المصغر لا يُصغر) فالاسم المصغر بعلامات التصغير المعروفة في اللغة لا يجرى عليه التصغير مرة أخرى، وكذلك القاعدة التي تقول: (أن) الضدين لا يجتمعان على شيء واحد، فإن اجتمعا فالتأثير للطارئ) قد جرى تطبيقها في مجال الفقه واللغة على السواء. فالطهارة والنجاسة لا تجتمع على ثوب واحد، فالثوب إما أن يكون طاهراً، وإما أن يكون نجساً، والتأثير للطارئ، فإن كان طاهراً فوقعت عليه النجاسة صار نجسا، وإذا كان نجسا، فوقعت عليه الطهارة صار طاهراً. وكذلك في اللغة في التعريف والتنكير، فالشيء إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، ولا يصح أن يجتمع عليه هذان الأمران في وقت واحد، وكذلك التذكير والتأنيث، والإفراد، والجمع … الخ من موضوعات اللغة. ومن ثم صارت معرفة الفقيه باللغة أمراً معروفاً، ولكن أن يتميز هذا الفقيه في معرفته باللغة، ويصير أديباً شاعراً يصوغ الشعر ويكون قادراً على شرحه، ليقول في شرحه ما لم يقله في شعره، ويمضي مع النصوص مفجراً ألفاظها، حتى يكتشف ما وراءها من معان وموضوعات، موغلة في الصوفية سواء كانت هذه النصوص آيات قرآنية كما ظهر عند تفسيره لفاتحة الكتاب في مقدمة مقاليد التنزيل، أو أبيات شعرية (في شرحه لقصيدة حياة المهج التي كتبها بنفسه).
،
وهذا يقتضي منا أن نقف معه في هذه الجوانب: الجانب الفقهي، والجانب اللغوي، والجانب الأدبي، و
نلقي الضوء عليها، ثم نعقب بعد ذلك بأثر امتزاج هذه الجوانب من خلال حرز الشجرة الذي صاغه.
ثانيا: الجوانب المختلفة في حياة أبي نبهان: 1 - المجال الفقهي
أ) فقد صنف الشيخ كتاب) مقاليد التنزيل لإدراك حقائق التأويل).
، وقفة
ففي مقدمته يعرض لأهمية معرفة أسباب التنزيل، وإعجاز القرآن الكريم، وقداسته وتفسيره، ثم يعرف بكتابه ذاكراً أنه قد انكشف بنور الحق البرهان، وصار الأمر ظاهر العيان، أنه لا سبيل إلى الوصول إلى الله، والفوز في لقائه بالسعادة الأبدية، والتنعم بالذات السرمدية، إلا بوجود الرعاية، والسير إلى منازل الهداية، على أنوار العلم، في عنان الحلم، لأنه من لم يكن له نور من ربه، لم يكن له نور يستدل به، وذلك هو العلم النافع، فالعلم هو الدليل على قصد السبيل، إلى الملك الجليل، والعلم كله القرآن،، هو التنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل، فهو الهدى والنور، والشفاء لما في الصدور، من أمراض الغرور، وأدواء الفجور .. الذي من تعلق به نجا، ومن تركه ضل وغوى، وهلك
فتردي … ) (1).
1 - مقاليد التنزيل لإدراك حقائق التأويل مخطوط ص 3،2.
- 76 -