قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ٨٦

تكاد تخلو صفحة من صفحات كتبه من هذا التقديم للجار والمجرور إما لأنه عنصر ضعيف يمكن أن يهمل إذا وقع في آخر الجملة، وهو يؤثر أن تكون نهاية جملته قوية، مشغولة بعنصر أساس من عناصرها. وإما ليحقق الغرضين معا غرض زيادة الاهتمام، وغرض الحفاظ على آخر الجملة القوي. ويمكن أن نستشهد على ذلك بمجموعة من الأمثلة المتناثرة في ثنايا كتابه يقول: (الاخ هو الذي في الله صحت لصفائه أخوته ووجبت لموافقته في القول والعمل محبته. ولزمت لبرأته في دينه من دخول التهم عليه والريبة ولايته).

حيث تقدم الجار والمجرور في الله ولصفائه، وعلوافقته في القول العمل) و «ولبرأته في دينه من دخول التهم عليه والريبة لزيادة الاهتمام بها في الجملة فالترتيب الطبيعي لهذه الجمل على هذا النحو: الأخ هو الذي صحت أخوته في الله لصفائه ووجبت محبته لموافقته في القول والعمل ولزمت ولايته لبرأته في دينه من دخول التهم عليه والريبة. حيث جاء الفاعل تاليا للفعل ثم جاء الجار والمجرور، ولكن في التقديم فصل بين أكثر الناس في هذه الدنيا كالفراش يتهافتون، ومن دورة هذا الصراط يهوون، وبعضهم ينزلق، ويرجع فيعلق، فالتثبت عليه، لا غناية عنه والنص طويل ممتد، مكثف، محمل بكثير

من التعابير الصوفية الرائقة.

ثالثا - الامتزاج بين الجانب الديني والجانب اللغوي: فإذا ما ارتقى الإنسان في الدرجات صار عبدا ربانيا يقول للشيء كن فيكون» وقد أنعكس هذا في هذا الحرز اللغوي المسمى حرز الشجرة. الذي تمثل اللغة فيه وسيلة فنية عالية، نقلتنا إلى حلبة مصارعة بين الشخص وبين الشيطان، ومن هذه الحلبة يستعين الشخص بكل قوة ممكنة، ويسدد ضرباته القوية المتتابعة، ويتقوى ويضرب، ويتقوى ويضرب، وتتابع الضربات إلى أن ينهك الشيطان، فيجهز عليه بالضربة القاضية مكررا «اعزم عليك» «وأقسم عليك» إلا ما سمعت وأطعت وعجلت المخرج، وابتعدت ونأيت، ولا تعود له أبدا مستعينا بالله وملائكته وكتبه ورسله وآياته في الأرض والسماء وأنّى لأية قوة أن تقف أمام الله أو تتحداها، وهي من صنعه، وتحت سيطرته، ممن احتمى بالله عز، ومن احتمى بغيره ذل رحم الله شيخنا وأثابه خيرا عن الفقه والأدب، جزاء ما تقدم لهما وأظهر بهما من علامات. ونسأل الله أن يجعل أجره من هذه الأعمال موصولا.

فإذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث «صدقة جارية، وعلم نافع، وولد صالح يدعو له

اللهم أجزه خير الجزاء، فأنت نعم المولى ونعم النصير.

-47 -