قراءات في فكر ابن بركة البهلوي مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر ابن بركة البهلوي

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

فالتشريعات الإسلامية جاءت لضبط الحياة الفردية والجماعية والأسرية والدولية فهي أحكام إلهية في أسسها وقواعدها، فالوحي الإلهي هو الذي أرسى قواعد هذا الدين وأصوله على أمتن القواعد وأعدل المبادئ بعيداً عن الإفراط أو التفريط أو الأهواء أو التناقضات.

يقول ابن بركة في وجوب الاعتماد على أصول هذا الدين: فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام وخصه بشريعة الإيمان أن يبدأ يتعلم الأصول قبل الفروع، وأن يثبت قواعد الثبات قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معاني الأصول عرف كيف يتبنى عليه الفروع ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حربا أن تخفى عليه أحكام الفروع) ().

وهذا توجيه من ابن بركة في وجوب صرف الناس إلى تعلم الأصول حتى تكون النفس البشرية المتمكنة من الأصول ثابتة وراسخة في هذا الدين لا تلعب بها الأهواء ولا تقلبها التيارات أو تتقاذفها الأفكار الهدامة هنا وهناك ولا سبييل إلى إدراك تلك الأصول إلا بالعلم والإسلام يدعو إلى العلم والتعلم بكل حيلة ووسيلة يستطيعها الإنسان ويحض العقل على التأمل والتفكر في أسرار الوجود والكون والحياة ويفرض على العالم إرشاد الضال والجاهل ومن أجل

هذا المعنى الاجتماعي الهام في حياة الأمم والشعوب يؤكد ابن بركة على وجود إعمال العقل في كل منافع البشر التي تحقق لهم السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة فقال: (فالواجب من أتاه الله حماة العقل قطع بها عذره أن يناصح بها نفسه فيما كلفه من حاجة نفسه ومكنه من الأسباب المؤدية إلى درك ما ندب الله وخص به، لأن أسباب العلوم ودلائل النيات موقوفة على العقول ومعلومه بها دون غيرها، فبزوالها يزول عنه الخطاب ويسقط عنه العقاب ويجب بصحبته الثواب والعقاب) (2).

ومما لاشك فيه أن العلم منذ أقدم العصور هو غذاء العقول والأرواح وهو الداء الناجع لأمراض النفوس والجماعات ان استخدمه الإنسان في سبيل الخير وفق سنن الله في الكون والحياة وبالعلم تنفتح مغاليق المجهولات وتنكشف أسرار الحياة وبه تسعد البشرية ويبتسم الأمل للناس وهو على

(1) كتاب التعارف ص 4 (2) كتاب التعارف ص 5.

153