قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ١٥٢وأول ما أسعفه به هو بيان يسر هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي سهله الله على عباده ولم
يضيق عليه فيما شرعه لهم وكل ما جاء في الإسلام من تشريع وتوحيد وإرشاد إنما يقصد به إعداد الإنسان الكامل الذي يدرك سر وجوده في الحياة وأن لخلقه غاية ورسالة ولحياته قيمة ومعنى وأنه ليس ذرة تافهة ولا مخلوقا سائباً فالدين هو الذي يعرف الإنسان بحقيقة نفسه من البداية إلى النهاية وحاجة الإنسان إلى الدين عامة وإلى الإسلام خاصة ليست حاجة طارئة أو هامشية إنها حاجة ضرورية ولازمة تتصل بجوهر الحياة وسر الوجود فالإنسان منذ نشأته تلح
عليه أسئلة جائرة تبحث عن جواب لها مثل من أين أتيت؟ ولم أتيت؟ وإلى أين المصير؟. ومهما اشتغل الإنسان بمطالب الحياة وأسباب المعيشة فانه لابد من أن تدور هذه الأسئلة في نفسه وتطلب الجواب الشافي الذي يقبله العقل ويسكن إليه القلب ويوافق الفطرة السليمة ولا سبيل إلى ذلك إلا في الدين الصحيح النقي من الأوهام والأباطيل والخرافات وتدخلات البشر وتلبيس إبليس فالدين هو الذي يعرف الإنسان أنه لم يخرج من العدم إلى الوجود صدفة وإنما هو مخلوق لخالق عظيم هو ربه الذي خلقه فسواه فعدله، ونفخ فيه من روحه وجعل له السمع والبصر والفؤاد وأمدد بنعم واسعة في نفسه وفي الكون وفي الوجود من حوله ويبين له أن كل ما في الحياة ليس غريبا عنه ولا عدوا له وانه مخلوق مثله كل شئ فيه بقدر وكل أمر فيه بحساب وميزان كل ذلك وغيره يجده في دين الله الذي ارتضاه لعباده قال ابن بركة في هذا المعنى: (فإني أعلمك أن الله -تبارك وتعالى - يسر هذا الدين على عباده وسهله عليهم ولم يكلفهم شططا من أمره ولم يقطع
عذرهم إلا بعد أن أمكنهم من جميع ما يحتاجون إليه ولم يضيق عليهم في شئ من ذلك) (1).
وإذا أردنا أن نربط هذا النص بالمفهوم الاجتماعي فإنه يبين دور الدين وأثره في إرساء قواعد بناء المجتمع الصالح، فقد شاء الله - تعالى - للإسلام أن يكون الرسالة العامة الخالدة فهو هداية الله للناس كافة من كل الأمم وكل الطبقات وكل الأفراد وكل الأجيال، والناس تختلف مواهبهم وطاقاتهم الروحية والعقلية والوجدانية وتتفاوت آمالهم وآلامهم، ولهذا كانت نظرة الإسلام جامعة ومحيطة ومستوعية كل ما في الوجود من أسرار الكون والحياة والإنسان.
(1) کتاب التعارف ص 4.
152