القضاء والقدر بين الإباضية والمعتزلة المقبالي، سيف بن علي بن ناصر

القضاء والقدر بين الإباضية والمعتزلة

الجزء ١ · صفحة ٣٧

القضاء والقدر بين الإباضية والمعتزلة

تمهيد:

لقد وقف الناس مواقف متباينة في أمر القدر:

فمنهم من أفرط في إثباته، وهم الجهمية الذين قالوا لا فعل للإنسان ولا إرادة، وجعلوا كل

ما يصدر منه من خير

وشر كالأمور الجبلية الاختيارية، ومثلوا الإنسان بالخيط الذي تقلبه الرياح،

وهؤلاء تشبثوا بنحو قوله تعالى: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا مُرْشِدًا الكهف: (17)، وقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَتْهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء البقرة: (272)، وقوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ القصص: (56)، وقوله تعالى: وَمَا نَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا الانسان: (30)، وغيرها من الآيات التي فيها عزوا أفعال العباد إلى الله تعالى، وهؤلاء يزعمون أن الثواب والعقاب المترتبين على أفعال العباد، إنما الله تعالى من إيجاد الخير أو ضده على يد العبد من غير أن يكون للعبد في من ذلك كسب، وهو عين المحال، فإن الله أجل وأعظم وأبر وأرحم من أن يجازي عبدا على ما لا

هما

ما كان بسبب

اختيار له فيه ولا كسب.

وقولهم هذا يترتب عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، ما دام من كان مقصودا بذلك ليس له اختيار ولا كسب، وفيه ما لا يخفى من تعطيل حكمة الله تعالى في نظام الوجود.

ومنهم من فرط في ذلك، وهم المعتزلة الذين نفوا أثر الإرادة الربانية في فعل العبد، وزعموا أن الإنسان مستقل بإيجاد فعله استقلالا تاما، وسيأتي الحديث عنهم بإذن الله تعالى.

ومنهم من وقف بين الموقفين، وقال بأن الإنسان من فعله خيرا كان أم شرا جانب الكسب دون الخلق، وأنه على كسبه يترتب ثوابه أو عقابه، أما الخلق فإن الله تعالى وحده خالق كل

شيء.

(1)

(?) انظر: غاية المراد الخليلي، ص??-??.

م 2