اعتبار المآل وأثره في العقود المالية المعاصرة
الجزء ١ · صفحة ٢١ثالثا: حديث النبي صلى الله عليه وسلم " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه ويسب أمه"، ووجه الدلالة أن النبي جعل تعرض الرجل لسب الآباء كسبه لوالديه؛ لأنه النتيجة والمآل المترتب عليه، فنسب إليه
النبي
مآل سبه للآباء مع كونه لم يباشر سب والديه بل تسبب في ذلك، يقول النووي في تعليقه على الحديث: "فيه دليل على أن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء، وإنما جعل هذا عقوقا لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد تأذيا ليس بالهين"، وقال ابن بطال: "هذا الحديث أصل
في قطع الذرائع وأن من آل فعله إلى محرم، وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمد في الإثم
المطلب الثالث: الأدلة العقلية على اعتبار المآل
14
أولا: إنَّ التكاليف الشرعية قد وضعت لتحقيق مصالح أرادها الشارع، فالمصالح هي المآلات التي قصد الشارع تحقيقها حين شرع التكاليف، وعلى ذلك لا بد من مراعاة مآلات التكاليف والتحقق من وقوعها، يقول الشاطبي: "فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح؛ فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآل الأسباب، فاعتبارها في جريان لأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات"5.
ثانيا: اعتبار المآل يحفظ مقاصد الشارع ويحقق وجودها، فإهمال اعتبار المآل يُفرغ تكاليف الشارع من روحها، ويجعلها جامدة على صُوَرها، وإن كانت تؤول إلى أمر يخالف قصد الشارع، وهذا أمر يخالف وضع الشريعة ومعانيها، فلا يعقل أن يبقى فعل على أصله إن كان يؤول إلى غير مراد الشارع، وبهذا يحفظ اعتبار المآل واقعية الشريعة.
1 البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، حديث رقم: (5973)، ج 4، ص 1516، 1517، النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها حديث رقم: (146)، ص 66. عثمان محمود حامد، قاعدة سد الذائع وأثرها في الفقه الإسلامي، دار الحديث، ط 1، 1417 هـ/1996، ص 149. النووي، يحيى بن زكريا صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2، ص 88.
2
3
4
بطال، علي بن خلف (449) شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد، د. ط، د. ط، ج 9، ص 192.
ابن
5 الشاطبي، الموافقات، ج 4، ص 141.
18