الأحكام المتعلقة بمنافع الجار في الفقه الإسلامي الجهضمي، سامي بن سعيد بن سليمان

الأحكام المتعلقة بمنافع الجار في الفقه الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٢٣

15

معهد العلوم الشرعية

الأحكام المتعلقة بمنافع الجار في الفقه الإسلامي والحكمة في ذلك أن الجار الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية، وغيرها، فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وكذلك فإن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة. وقد أمر النبي بإكرام الجار وجعل ذلك من لوازم الإيمان فقال له: " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره". (?)

وأما عن كف الأذى عن الجار، فعن أبي هريرة مرفوعاً: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره " (2)، وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم: " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه " (?)، (أي لا يأمن شره وخطره)، وفي رواية لمسلم قال: " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" (4). وهذا فيه تعظيم حق الجار ووجوب كف الأذى عنه، وأن إضراره من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي وقد عظم الله وعمل إلحاق الأذى بالجار وغلظ فيه العقوبة ففي الصحيح عن ابن مسعود قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ فقال: " أن تجعل الله ندا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك". (5)

من

من هذه النصوص الشرعية والتوجيهات النبوية يتبين لنا عظم حق الجار من الإحسان إليه وكف الأذى عنه واحتمال ما قد يصدر منه، لكن المتأمل في حال كثير من الناس اليوم يجد أن المدنية الزائفة قد ألقت بظلالها على حياتهم، فتناسوا هذه الحقوق الواجبة عليهم تجاه جيرانهم وأعرضوا عنها، وأهملوها، فلا تكاد ترى مظهرًا مظاهر الصلة المستمرة والعلاقة الوطيدة بين الجيران، فقد أشغل الناسَ عن القيام بتلك الواجبات كثرةُ تهافتهم على المادة، وانشغالهم بملذات الحياة، وتَعْجَبُ كثيرًا حين تعلم أن شخصين في حي واحد، بل في بناية واحدة يتجاوران سنوات عدة، لا يدخل أحدهم منزل جاره خلال هذه المدة، ولا يتفقد أحواله، وقد يسافر الجار أو يمرض أو يحزن أو يفرح وجاره لم يشعر بذلك، ولم يشاركه في أفراحه وأتراحه، بل قد ترى الشقاق والنزاع محتدما بين الجيران والعداء ظاهرًا بينهم بالقول أو الفعل، وذلك كله مخالف لهدي الإسلام

(1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ص 1052، رقم الحديث: 6019. (?) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ص 1052، رقم الحديث: 6018. (?) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب: إثم لا يأمن جاره بوائقه، ص 1052، رقم الحديث: 6016. (4) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تحريم إيذاء الجار، ص 41، رقم الحديث: ???، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري (261هـ)، صحيح مسلم دار السلام للنشر والتوزيع (الرياض - المملكة العربية السعودية)، ط 1: (1419هـ = 1998م).

من

(5) أخرجه البخاري كتاب التفسير باب قوله تعالى فلا تجعلوا الله أندادا وأنتم تعلمون، ص 761، رقم الحديث: 4477.

6