مدخل إلى التمييز العنصري في عمان
الجزء ١ · صفحة ٢فرق بين شخص وآخر لأسباب القبيلة والنَّسب. وما أسهل دفع التهمة حين تلتصق بسلطة تقوم على "التّوازن القبَلِي"، وتتخذ من "التنمية" و"تنمية الإنسان" شعارات براقة تعلنها للعالم أجمع وليس لمواطنيها فقط، متوقفة دون القيام عمليًّا بما يمنح الصدق لمزاعمها، فالإنسان في سلطنة عُمان درجات وطبقات تبدأ بـ"سيد" و"شيخ" و"أصيل" و"عربي" ولا تنتهي عند "تبع" و"عبد" و"مولى" و "خادم" و"بيسر"، رغم أنه، منذ تأسيس الدولة الحديثة في 1970 م وحتَّى الآن، كان يُمكن العمل تدريجيًّا على بناء مجتمع مدني؛ عبر تذويب الفوارق الاجتماعية، والمساواة بين النَّاس، وإلغاء كل أسباب الطبقية القبلية، وعواملها، ومظاهرها، وأشكالها، ودعم المجتمع بكل ما من شأنه تعزيز التكافل، وليس كما هو حادث الآن إذ تنخر العصبية القبلية أساسات هذا الوطن، وتجعل مستقبله عرضة لمجهول مقيت.
لقد أقدمت وزارة الداخلية العُمانية على تصرفاتٍ تُناقض أيَّ تصرُّف سوي يمكن أن يُربط بما يُعرف بدولة المؤسسات والقانون، وذلك باعتمادها "توصية" تتعلق بتغيير مسميي قبيلتين، بزعم تصحيحهما. وكيفما كانت مزاعم وزارة الداخلية ومُبَرِّرَاتُها، التي ترفضها معاهدات واتفاقيات حقوق الإنسان التي أجمعت عليها الهيئات والمنظمات العالمية والعالم الحر، فإنَّ ما قامت به تجاوز للخطوط الحمراء التي ينبني عليها مفهوم المواطنة والمواطن المحترم في وطنه، وأيُّ احترام للإنسان عندما تشطب الدولة ممثلة في وزارتها الدَّاخِليَّة- اسمه وتستبدله
بآخر، بزعم تصحيحه؟، ذاهبة إلى أبعد الحدود في تعليل تصرُّفها القبيح والعنصري وتبريره تعرض بعض المتضررين من هذه "التوصية" لمواقف محرجة وطافحة بالتمييز والعنصرية، ورأوا خطورة هذا الأمر، وإن كان هناك من لا يرى فيه أي خطورة فهو كذلك لمن يُرادُ أن يطالهم ذلك الأمر؛ إنَّه بالنسبة إليهم أمر في منتهى الخطورة يقرع بشدة طبول تمييز عنصري يزرع الشحناء والبغضاء والتنابز بالألقاب وكي لا يبدو الأمر شخصيًّا- حتَّى وإن بدا كذلك علي هنا تأكيد أن القبلية العنصرية في عُمان ممارسة بشكل يومي وبأشكال شتى، وكثير من أبناء الشعب العُماني يشعرون بالظلم المباشر والتباس معنى كونهم مواطنين في وطنهم، ويشعرون بالاغتراب ويتعايشون معه، وحتَّى مَنْ يعي الأمر ويحاول النظر إليه بعين فاحصة لا يلبث أن يأسى لحال متردية كهذه الحال التي قد تكون النموذج الاستثنائي والأكثر بدائية للقنابل الموقوتة التي تنفجر الآن، أو تُهدِّدُ بالانفجار في أي وقت، في كثير من الدُّول العربية. لم يكن ما حدث مفاجئًا بل كان نتيجة منطقية لـ "دولة المؤسسات والقانون" المفتعلة والمُتشدَّق بها، في بلادنا، ليل نهار، دون إغفال الدور المزدوج والمدمر الذي جرى تقنيع الناس به تحت مسميات ودواع شتَّى ربطت بالدين والعادات والتقاليد والتراث في مظاهرها القشرية التي تسجن الإنسان في أنماط ما عاد الزمن يستطيع التخلفَ عندها، وهو ما تَتَّضِحُ نتائجه الآنَ في تحويل المجتمع إلى مجتمع متزمت ومغلق، متعصب ومتوتر يحضُّ على الطاعة العمياء لسلوكيات متخلفة يرفضها العقل والمنطق، ويهزأ منها التَّفكيرُ الواعي المتحضر. ورغم ذلك بقيت سلطنة عُمان دولة "مؤسسات وقانون"، وقد صدَّق كثيرون هذه البروباجاندا المخطط لها بمنهجية، خاصة وأن عُمان حافظت على عُزلتها واكتفت بانفتاح ظاهري ربط دائمًا بـ"السياسة العقلانية الهادئة ولكي يبدو الأمر حقيقة عُزلتِ البلاد عن كلِّ ما من شأنه أن يكشف الحقائق الواقعة على الأرض، وأوَّلها وسائل الإعلام العربية والغربية معًا. وبلغ الحرص الرسمي على ضرورة تلميع الصورة الخادعة للعالم حدَّ
أنَّ وسائل الإعلام المحلية المختلفة العامة والخاصة أصبحت تنطق وترى وتكتب بصيغ تطابق الصِّيغَ الرَّسميّة المجترَةَ، المعدة للاستهلاك المحلي والدولي، الخاوية من مضمونها المعلن والمُتكثّمة على ما يحدث في البلاد من تخبط وعدم تبصر وفوضى وظلم للنَّاس أصبح يطال حتّى أسماءهم هكذا كرّس لبقاء الأسرار أسرارًا فبقينا- نحن العُمانيين- نرتعُ في النَّعيم والعدالة والديموقراطية والمساواة ويمكننا أن نزيد ما شئنا من هذه
الخزعبلات).
وما بالك بالمشاريع التنموية التي يُمَنُّ على الناس بها وتكلف ملايين الريالات ورداءة تنفيذها تقول العكس، وما بالك باعتماد البلاد على النّفط كمصدر أساسي للدخل القومي؟، وما
2