نشأة الحركة الإباضية في البصرة محمد عبد الفتاح عليان

نشأة الحركة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

يعتقد الإباضية (1) أن وضعهم بالنسبة إلى إخوتهم من أهل المذاهب الإسلامية

الأخرى وضع غريب، فبرغم أنهم يعيشون في بعض البلاد مندمجين مختلطين بإخوتهم من أهل المذاهب الأخرى، يتعاملون معهم في جميع شئون الحياة كما يتعامل بعضهم مع بعض، وتربط الكثير منهم علاقات مودة وصداقة أوثق كثيراً مما تربط أهل المذهب الواحد، ويتصرف أولئك الإباضيون في المجتمع تصرف المسلم الطبيعي، لا يخفى ولا يشذ شيء من سلوكهم الديني أو المدنى، ولا ينقم عليهم إخوتهم، أولئك الذين يعيشون معهم في السراء والضراء، بدعة يعرفونها، أو انحرافا يرونه، أو خلافا يدعو إلى سوء الظن. رغم كل هذا فإن تلك الكلمة "الخوارج" التى أطلقتها عليهم شفة مغرضة مجهولة، فى فترة كانت السياسة تلعب فيها أهم الأدوار فى توجيه التهم لمن ينتقد انحرافها عن منهج الله، منذ ذلك التاريخ في العصر الأموى - على ما يبدو – والإباضية يقفون في قفص الاتهام، يقاسون ألم الجفاء من إخوانهم - فيما تزعم تلك التهمة الظالمة - (خوارج). ومن المؤسف أن كثيرا من الكتاب، سواء كانوا كتاب مقالات في العقائد)، أو كتاب تاريخ يتتبعون بحرى الأحداث التاريخية، وقفوا بالنسبة إلى الإباضية موقف المدعى العام الذى يعتقد أن نجاح مرافعته يتوقف على إثبات التهمة، أو قاضي التحقيق الذى يهمه أن يضع أوزار الجريمة على من ساقته الظروف إليه، ووضعته التحريات بين يديه، فيضع هؤلاء "الإباضية" وأتباعها في قفص الاتهام أولا، ويحكمون عليهم بأنهم مخطئون لأنهم خوارج، وبعد ذلك قد يبحثون عن الأدلة، ولكن لإثبات هذه التهمة، لا لمعرفة الحقيقة. وقد يعرض الإباضية عقيدة أو رأيا لهم بأدلته وبراهينه، وهو في نفس الأمر امر يوافق عقيدة القاضى، ولكن القاضي يصر مع ذلك على أن القوم مخطئون، وإن ما يقولونه إنما هو كلام للدفاع، ثم يحكم برفض الدفاع وإثبات الدعوى، لا لشيء إلا لأنهم حسبما بلغ إلى علمه (خوارج)، وحتى عندما يقول الإباضية عن عقيدة ما أو رأى: إنه عندهم كفر وخروج عن الملة، فإن هذا القول لا يقبل منهم، وقد يبرءون من رجل ومن أعماله وأقواله ممن لا ينتمى إليهم، ولكن يقال لهم أيضا: بل هذا الرجل من أئمتكم، ولو أنكرتم ذلك.

(1) انظر: على يحى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، حـ 1 ص 14 - 16.

-163 -