الفقه الإسلامي في عالم متغير: المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد (بحث ندوة) مجموعة مؤلفين

المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد

الجزء ١ · صفحة ٢

النص والواقع لم يكن هناك نص بدون مجتمع، كما أنه لا فقه بدون الناس، وهذا يجعلنا أمام حقيقة أزلية أن الشرع جاء ليلبي مصالح الناس، وعندما يفقد أي شرع قدرته على تلبية مصالحهم، أو تحرّف نصوصه أو تنحرف مقاصده عن ذلك، فإن الضرورة تصبح

ملحة بوجود شرع آخر يلبي منافع الناس، وهذه هي الحكمة من تسلسل الأنبياء الكرام عليهم السلام بالكتب الإلهية والتشريعات الربانية، وذلك لغرضين واضحين

هما:

- رفع الفساد الناشئ من الحراك الاجتماعى، وأول هذا الفساد وأخطره الانحراف من الحرية إلى العبودية، ولذلك جاءت جميع الرسالات الإلهية لتؤكد على أن الناس أحرار فيما بينهم، ولا عبودية إلا للواحد الأحد جل وعلا، وأن كل ما يعكر صفو إخلاص التوحيد الله تعالى فهو حرام، ولا يجوز تقديس أي مخلوق؛ بشراً كان أو حجراً، أو حيواناً، حياً كان أو ميتاً، ولا يجوز أن يمارس أي إنسان وساطة بين الخلق وخالقهم.

- تحقيق المصالح التي يتوخاها البشر في حياتهم، وذلك بدفعهم نحو استغلال ما سخر الله لهم من السموات والأرض، ولا يكون ذلك إلا بإعمال عقولهم وتفعيل مداركهم، ساعين إلى تنظيم منافعهم بالعلم وما ينتج عنه من مناهج متجددة بحسب تبدل الزمان. ولا وشيجة تربط بين هذين الغرضين إلا التوجه بالعبادة إلى الله، وحسن الخلق فيما بين البشر.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون محمداً عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والرسل، وأن يكون القرآن الكريم هو خاتمة الشرائع الإلهية المنزلة، وبنظري أن هذا الختم جاء لأمرين هما:

الأول: أن البشرية وصلت من النضج بأن تكون قادرة على تفعيل عقولها، وأن مرحلة جديدة من مراحل العلم قد حان وقتها، استطاع النبي الأكرم أن يضع أسسها، وأن ينطلق المسلمون من بعده إلى وضع مناهج للعلم، وأن ينقلوه بخطوات واسعة

إلى أن يكون علماً منتجاً، بعد أن كان العلم مجرد رياضة ذهنية، يقول برتراند راسل: (كان للعلوم منذ زمن العرب وظيفتان: الأولى تمكننا من معرفة الأشياء، والثانية تمكننا من فعل الأشياء، أما الإغريق فقد كانوا باستثناء أرخميدس يهتمون بالناحية الأولى فقط) ()، ولا يخفى أن هذا الجمع بين الوظيفتين راجع إلى التأكيد على العلم والعمل معاً، يقول الحق جلَّ شأنه: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) آل عمران: 164. فالإنسان في المرحلة الخاتمة ليس وظيفته أن يكون سلبياً تجاه تفعيل النصوص الإلهية، فيأخذ النصوص بظواهرها، بل بما آتاه الله من عقل هو جزء من تحقيق النص على أرض الواقع كما أنه جزء تتنزل عليه أحكام هذا النص، يقول تعالى: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ

) برتراند راسل؛ أثر العلم على المجتمع ص 41.

له