المصطلحات الفقهية العمانية المتعلقة بالاجتهاد والتجديد
الجزء ١ · صفحة ٣بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)) (المائدة:48، فالشرعة والمنهاج متأصرة مع الناس بكونهم هم المعنيين بذلك، وقد وعى المسلمون الأوائل ذلك فانبروا بالتأسيس للعلم ووضع مناهج له. ومصداقاً لهذا الختم الرسالي فإن البشرية بالفعل قد خطت مسيرة ضخمة من التطور الفكري والعلمي والاجتماعي أسه العقل والعلم اللذين دعا الكتاب الحكيم إلى
تفعيلهما.
الثاني: أن الله تبارك اسمه قد حفظ القرآن من التحريف، فمنذ أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قد تولى سبحانه جمعه وقرآنه وحفظه، وما توفي رسول الله إلا والقرآن مجموع متلو) ()، يقول تعالى: ((نَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ((القيامة:17 - 18، ويقول: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ((:
الحجر:9، وهذا الحفظ من التحريف مع عدم تفريط الله من شيء فيه يفي بالاحتياج البشري في هذه الحياة لقوله تعالى: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) الأنعام:38، ومع فتح المجال للعقل أن يكتشف سنن الله في الكون؛ فإن الإنسانية لم تعد محتاجة إلى كتاب آخر يتنزل بعد القرآن الكريم.
وهذا يسلمنا إلى ما هو متقرر بأن دوراً كبيراً يقع على كاهل العلماء (وليس من عرفوا بالفقهاء فقط)؛ بحيث يواصلون تفعيل الكتاب العزيز في واقع البشر، ويسعون إلى استنباط المناهج الكفيلة بأن يسير الناس على هدى من نور الله وحكمة نبيه الكريم، وكلما اتسعت رقعة الحياة زادت الحاجة إلى استنباط هؤلاء العلماء، وزادت الحاجة كذلك إلى زيادة عددهم وتنوع مشاربهم واختلاف تخصصاتهم، ولزمت قدرتهم على مواكبة المتغيرات الحضارية والمدنية. لم يكن الأنبياء عليهم السلام منعزلين عن واقعهم، وإنما كانوا يعيشون لحظتهم، يشخصون أدواء أمتهم، ويضعون الحلول لها، وينيرون الطريق نحو غدٍ أفضل للبشرية، وكانوا يحاربون التقليد والآبائية التي استمرأتها أقوامهم، وعندما ينزل الوحي عليهم فإنما هو يلامس حركتهم اليومية، وهكذا كان نبي الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فكان القرآن يتنزل عليه وفق حركة المجتمع وتطوره، ولذا عرف عند الفقهاء بعد ذلك بما يسمى بالناسخ والمنسوخ (.)، والذي يعني في حقيقته الجوهرية ملامسة الوحي مجريات الواقع، واضعاً الحل الرباني لما يعتري الإنسانية من مشكلات، فخرجت من بين يديه أمة هي خير الأمم، أمة وسط هي شاهدة على
سائر الإمم.
رسم
أولئك الأنبياء العظماء منهج تفعيل النصوص الربانية، فسار من بعدهم علماء
الأمة من لدن الصحابة رضي الله عنهم، إلا أن الحياة لا تسير دائماً على وتيرة واحدة، بل هي في صعود ونزول وسراء وضراء، وكانت هذه الحركة المتماوجة في بحر الأيام تنعكس على اسنباطات العلماء، وقد تترك أثرها العميق على حركة الفكر والفقه، بل وقد تتجذر على مرور الأيام، فما عليه الأمة إلى هذا اليوم من
) رواه الربيع بن حبيب، في مسنده برقم 15.) وقد استعمل هذا المصطلح لدى كثير من الفقهاء بمعنى إزالة حكم قرآني بمحكم آخر، وبمرور الزمن كثر الناسخ والمنسوخ، وبمعنى آخر كثر ما أزيل حكمه من القرآن الكريم، حتى طال الأخبار والتوحيد.
3