الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٣غنيا عن
الباب السادس عشر
صفة المتقين السالكين طريق الآخرة
من خطبة لعلي بن ابي طالب. أما بعد. فإن الله سبحانه خلق الخلق
6
لأنه لا يضره معصية من عصاه ولا طاعتهم، وآمنا من معصيتهم تنفعه طاعة من أطاعه، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها أهل الفضائل، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا الى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، واجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة، اعقبتهم
6
راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، ارادتهم الدنيا ولم يريدوها وأسرتهم فقدوا أنفسهم منها، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يجربون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب اعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا اليها مسامع قلوبهم، وظنوا
ان زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون الجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، فهم يطلبون الى الله
- 123 -