كتاب الأخبار والآثار سالم بن عبد الله بن راشد البوسعيدي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

فاتق الله يا هارون، واحذر عذابه، ولا تتعرض لسخطه وتواضع

الله، ولا تتكبر على الله، فقد آلى على نفسه ان يرفع من تواضع، ويضع من تكبر، فاتعظ بالموعظة، فقد نصحتك جهدي، وما أبقيت لك في النصيحة غاية، فاتق الله في رعيتك واعلم انه ليس المطلوب بك غيرك من الخلق احد غيرك، ثم إياك ان تكتب إلي كتابا آخر بعد هذا ابدا

وقال عباد: ثم رمى الكتاب منشورا غير مطوي، فأخذت الكتاب وقد وقفت الموعظة في قلبي، حين أملى الكتاب على كاتبه، وصرت كالمجنون مما سمعت، فانطلقت الى السوق، واشتريت جبة من صوف وعباءة قطوانية فلبستها، وتركت ما كنت البسه من الحرير ولين الثياب بين يدي امير المؤمنين. فلما وصلت الى حضرة امير المؤمنين تهزأ مني كل من كان عند الباب من اصحابي، فلما دخلت على أمير المؤمنين ونظر الي قام قائما على قدميه، وجعل يلطم خديه وهو ينادي بصوت رفيع انتفع المرسل، وخاب المرسل ما

لي ولملك يزول عني.

من

قال: فالقيت الكتاب إليه، فأقبل عليه بالقراءة ودموعه تجري على خديه، حتى فرغ من قراءته فقال له كان بحضرته من جلسائه ووزرائه: لقد احزنك سفيان يا أمير المؤمنين، وادخل عليك المشقة في نفسك، واجترأ عليك بأمر عظيم فكان جزاؤه ان توجه إليه اجنادك وأعوانك، فيأخذوه ويوثقوه في الحديد، وتضيق عليه السجن، حتى تجعله مثلة ويكون عظة لغيره من الناس، ويكون مستحقا لذلك فقال لهم هارون: اتركوني يا عبيد الدنيا، فالمغرور من غررتموه، والشقي من اهلكتموه فوالله لقد نصحني بأبلغ نصيحة، ووعظني بأكمل موعظة. ولم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرأه دبر كل صلاة يصليها كما يقرأ القرآن فحسبك ما ذكرت لك

وذكر في الخبر: أن أبا ذر دخل يوما الى معاوية، وهو يومئذ قد بنى

- 188 -

١٧٠ / ٦٠٦