الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧واعلم أنك ستقف غدا بين يدي رب العالمين، وهو الحكم العدل الذي لا يجور في حكمه، ويجزي الظالمين بأعمالهم، فلا ينفعك حينئذ جندك، ولا وزراؤك، ولا جلساؤك ولا أعوانك وخدامك، ولا ينفعك من غرك بقوله نفسي لك الفداء. وجعلت فداءك، غروك والله يا هارون كما غروا غيرك من قبلك حتى اهلكوه، ولو علم عبيد الدنيا المغترون حقيقة الأمر لكانوا يعزونك ولا يهنئونك. فوالله ما احسبك إلا وأنت قد سلبت عقلك، وحلت بك العقوبة في نفسك حين سلبت حلاوة الايمان، وفقدت لذاذة القرآن، ومجالسة الاخوان ورضيت لنفسك ان تكون ظالما وللظلمين إماما
يا هارون لبست الحرير، وقعدت على السرير، والبست ـ لعله -
،
واسبلت سترا دون بابك، وجعلت الحجبة عليه، وتشبهت بخالقك واقعدت على بابك عماد الظالمين، يظلمون الناس ولا ينصفون المظلوم، ويشربون الخمر ويحدون من شربها، ويزنون ويحدون الزاني، فهلا كانت هذه الأحكام عليهم قبل ان يحكموا بها على الناس، فكيف بك يا هارون اذا نادى المنادي أين الظلمة وأعوان الظلمة، وترى الظالمين حولك، وانت لهم امام فأخذت بضيق الخناق، وورود السياق فقربت للعرض ويداك مغلولتان الى عنقك، فلا يفكها ذلك اليوم إلا عدلك وانصافك، وانت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك، فإن كنت لم تنصف ولم تعدل في عباد الله فقد خسرت خسرانا مبينا، والويل لك ثم الويل فاتق الله في رعيتك، واحسن عليهم الخلافة، ولا تأخذ الاشياء الا بحقها، ولا تضعها الا في موضعها، واحفظ محمدا عليه السلام في أمته واعلم ان هذا الأمر الذي صار إليك لو بقي إلى غيرك ما صار إليك، ولكن زائل عنك الى غيرك، وهو ينتقل من واحد الى واحد، فمنهم من يتزود منها ما ينفعه، ومنهم من يخسر الدنيا والآخرة، فإياك يا هارون ان تكون ممن خسر الدنيا والآخرة، واعمل ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما ارضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد
6
- 187 -