الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦أن ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيدا، فالمرض فجأة غير بعيد وكل مرض
فإنما يقع فجأة وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا
ولو تفكر هذا الغافل أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وربيع وخريف وليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل هو بالاستعداد له ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعاه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر تشييع جنازته لأنه قد تكرر عليه وألفه وهو مشاهد موت غيره وأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصور أن يألفه وأنه لم يقع وإذا وقع لم يقع دفعة أخرى بعده فهو الأول وهو الآخر وسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ويدفن في قبره فلعل اللبن الذي يغطي بها الحفار لحده قد ضرب وقد فرغ منه وهو لا يدري
فتسويفه جهل محض وإذا عرف أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه. أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر واستماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة.
وأما حب الدنيا؛ فالعلاج في اخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه ولا علاج له إلا الايمان باليوم
الآخر بما فيه من عظم العقاب وجزيل الثواب
ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فإن حب الخطير يمحو عن القلب حب الحقير، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن ينظر أو يلتفت إلى الدنيا وإن أعطي ملك الأرض بأسرها من المشرق والمغرب فكيف وليس لكل عبد من الدنيا إلا قدر يسير مكدر فكيف يفرح به ويترسخ في القلب حبها مع الايمان بالآخرة فنسأل الله - تعالى - أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده
- 256 -