الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣ومن علامات علماء الآخرة؛ أن يكون العالم شديد التوقي في محدثات
الأمور وان اتفق عليه الجمهور، فلا يغره اطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم وما كان فيه أكثرهم، إن كان في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولايات وتولي الأفات - لعله الأوقاف والوصايا ومال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة - أو كان أكثرهم في الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة، ومراقبة الباطن والظاهر، واجتناب دقيق الاثم وجليله، والحرص على ادراك خفيات شهوات النفس ومكائد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن، ويعلم تحقيقا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخذ الدين ولذلك قال علي: أخيارنا أتبعنا بهذا الدين.
وأما علماء الدنيا؛ فإنهم يتبعون غرائب التفريع في الحكومات والأقضية، ويتعنون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم وإن وقعت كان في القائمين بها كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم، وما أبعد عن السعادة من باع منهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر إيثارا للقبول والتقرب من الخلق على القرب من الله - تعالى -؛ وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق بل تكدر عليه صفوة نوائب الزمان، ثم يرد يوم القيامة مفلسا متحسرا
على ما يشاهده من ربح العاملين، وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين
وقال سعيد بن المسيب: اذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه؛
فإنه لص
(1)
وقال الأوزاعي: ما من شيء أبغض الى الله من عالم يزور عاملا
(2)
وقال ميمون: ما أسمح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، ويسأل
(1) أي عاملاً من العمال، كأنه يكونة واليا - الخ (2) أسمح: أقبح.