من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٢١

والمفافة، ودمنهور، وفي طريق العودة عرج على الاسكندرية ومنها انتقل إلى المغرب سالكاً طريق القوافل فعبر محطات العربان ومر على العقبة الصغري، والعقبة الكبرى والبطنان وقصر الضعاعنة، ثم توجه نحو الحضوي وأبي شمال وجرسون، ومرارة، وحصن سوسة وأرض برنيق ثم اجتاز قصر قمينس وقصر جليط ومنهما إلى أجدابية، ثم برية سنانة ومنهوشة وسرت بعدها مر بالشبيكة ليصل إلى مصراتة ثم سويقة بن مطكوك (لبدة) ومنها إلى بني حسن ومسلاتة

فطرابلس.

واصل محمد العبدري رحلته من طرابلس نحو تونس عن طريق الساحل فمر بقابس وصفاقس وقصر الجم والمهدية والمنستير وسوسة ومنزل أبي نصر والحمامات ومن تونس توجه نحو المغرب مروراً بباجة وخولان وقسنطينة وبجاية وملالة ومليانة ومازونة ووهران وتلمسان، ووجدة ومنها إلى تازة وفاس ومكناس و آزمور ليستقر أخيراً بمواطن قبيلة حاحة حيث طاب له المقام منقطعاً للعلم والعبادة حتى وافته المنية أواخر القرن السابع الهجري.

لقد كان العبدري عارفاً باللغة مسيطراً على الأسلوب مشاركاً في الفقه ناقد للشعر راوياً للأمثال مطلعاً على كتب الرحلات والتاريخ، وقد اعتمد فيما سجله في رحلته على مشاهداته واتصالاته الشخصية وعلى ما روي. له. دون أن يهمل ما كتبه الرحالة المتقدمون عنه مثل البكري وابن بطوطة والعياشي، فأظهر فيما أتي به من معلومات وما سجله من ملاحظات أنه قوي الملاحظة يميل إلى التشاؤم غاضب ساخط لا يكاد يجد ما يرضيه إلا في النادر جداً، ولعل ذلك إلى أنه كان يرجع مدفوعاً برسالة تربوية أخلاقية صورها له ماضي الإسلام المجيد وهدفها نشر الفضائل في المجتمع الإسلامي وتربية الإنسان الذي هو أساس هذا المجتمع بتقويم المنحرف وزجره وردعه بأية وسيلة وبتشجيع وتزكية من يتصف بالفضائل والأخلاق الحميدة، وكان لا يرى في المظاهر العمرانية والطبيعية إلا وسيلة لترقية سلوك الإنسان وقيمتها تكمن في حسن استغلاله لها. كما دفعه موقفه هذا إلى الابتعاد عن المجاملة والمداراة أما أسلوبه فجاء معبراً عن شخصيته معرباً عن أخلاقه، ولغته مترابطة متناسقة لا ينفصل فيها اللفظ عن المعنى بعيدة عن

121