من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

أي تنافر بين معانيها ومراميها، مع ميل إلى السجع غير المتكلف والاقتباس من الآيات والأحاديث والأمثال والحكايات مع إيراد لبعض قواعد العروض والنحو، الأمر الذي أثقل رحلته وإن لم ينقص منه قيمتها، يستشف القاريء المتمعن لها رقة عواطف العبدري، وجمال نفسه وعميق خبرته، إلا أنه وتماشياً مع موقفه من الحياة ونظرته إلى المجتمع كان لا يحجم عن إبداء رأيه ونقد ما يراه بدعة أو خروجاً عن الشرع، كإنكاره لبعض عادات أهل زواوة وزواغة وجربة.

أوضح العبدري طريقته في تأليف رحلته بقوله: «فإني قاصد بعد استخارة الله سبحانه وتعالى إلى تقييد ما أمكن تقييده … حسبما أدركه الحس والعيان وقام عليه بالمشاهدة والبرهان. مسطراً لما رأيته بالعيان، ومقرراً له بأوضح بيان … حتى يكون السامع لذلك كالمبصر، وأذكر ذلك ما استفدته وأنشدته. خبر من درر، … وأضيف إلى ذلك ما يضطر إليه البيان فيما قصر فيه العيان من نبذ مذكورة، ونتف مشهورة، ونكت مرسومة في الكتب مسطورة. . . . .

من

حرص العبدري في رحلته على تسجيل علاقاته و محاوراته العلماء أمثال مع أبي علي الحسن بن بلقاسم بن باديس القسنطيني وأبي عبد الله محمد بن خميس التلمساني، وأبي علي حسين بن محمد الطبلي الباجي، والأخوين أبي الحسن وأبي إسحاق بن يخلف التنيسي، وصالح بن أحمد الشاطبي البجائي، وأبي عبد الله محمد بن هارون القرطبي التونسي، وأبي عبد الله محمد النفزي التونسي وأبي محمد عبد الله بن عبد السيد الطرابلسي، وغيرهم كما قام العبدري بوصف المدارس والخانات والطرق وحالة الاقتصاد والعمران بالإضافة إلى تسجيل بعض الملاحظات التي يغلب عليها نوع من التشاؤم الذي كان مبعثه حالة البلاد المتردية وتقهقر العلم وقلة العطاء في ذلك العصر ببلاد المغرب، كما كان كثيراً ما يبدي تأسفه لانكماش العمران وانعدام الأمن وضعف الثقافة بالمدن التي. مر بها، فقد تنبه بحسه الثقافي ونظرته المثالية إلى توقف العلماء الحضاري بالغرب الإسلامي في عهده القرن 7 هـ / 13 م) فعبر عن ذلك بعبارات ملؤها التشاؤم والأسى حتى القاريء في رحلته قد يعتريه شك في أحكامه، إذ رغم الازدهار النسبي للحياة الثقافية في عصره إلا أنه يصفها قائلاً: وقد تعطل في هذا العصر موسم الأفاضل،

أن

122