من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

وتبدد في كل قطر نظام الفضائل وتفرق أهلها أيدي سبا، وصاروا حديثاً في الناس مستغرباً. فعادوا اسماً بلا مسمى وحرفاً ما دل على معنى. . كما وصف بعبارات لا تقل مرارة وقسوة عن ذلك حالة الأمن في ذلك العهد بقوله: «أوليس من الأمر الأمر. أن المسافر عندما يخرج عن أنظار مدينة فاس لا يزال إلى الإسكندرية في خوض ظلماء وخبط عشواء، لا يأمن عن ماله ولا على نفسه، ولا يأمل راحة في غده. . تتعاطاه الأيدي الغاشمة. وتتهاواه الأيدي الظالمة، فيستنجد ويستغيث، وأنى له بالمنجد المغيث .... كما يشكو لأبي الحسن بن يخلف التنسي قلة رغبة أهل المغرب في العلم، ويصف تلمسان قائلاً: «فوجدناها بلدا حلت به زمانة الزمان وأخلت به حوادث الحدثان ويقول عن بجاية «أن بحر العلم بها قد غاض وعفا رسمه حتى عاد طللاً. ويصف ميلة بأنها بحوادث محيلة أما قسنطينة التي ينعتها بالمدينة العجيبة الحصينة فيقول عنها بأنها لخطوب الزمان مستكينة قد ذبلت ببوارج الغري وفوادح الضرر ويعلق على بونة (عنابة) قائلاً: بلدة بطوارق الغير مغبونة. أما القيروان فيبدي تأسفه إلى ما آلت إليه أحوالها وأحوال أهلها فيقول: «لم أر بها إلا رسوماً محتها يد الزمان، وآثاراً يقال عنها كان وكان. والأحياء من أهلها جفاة الطبع، ما لهم من رقة الحضارة باع ولا معنى من معاني الإنسانية انطباع. لم أر بها ما يؤرخ وما لا يتهمم بذكره سوي جامعها ومقبرتها». ولم تكن طرابلس هي الأخرى أحسن حالاً من غيرها فهي حسب وصفه: «أفقرت باطناً وظاهراً. وذمها الخبير بها سائراً وقاطنا هذا وقد يتجاوز العبدري التأسف إلى الذم مثل قوله عن قابس ذات المخبر الخبيث والمحيا العابس وبمثل هذه الأوصاف والملاحظات والتعليقات التي تطبعها الصراحة إلى حد القسوة رسم العبدري صورة حية عن أوضاع البلاد المغربية التي مر بها، والتي. آنذاك بالتراجع الاقتصادي والانكماش الديمغرافي والجمود الثقافي الذي طبع القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي مما يجعل الرحلة العبدرية مصدراً أساسياً ومرجعاً لا غنى عنه لدراسة أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لبلاد المغرب في فترة بداية ضعف الدول الإقليمية (الحفصية والزياتية والمرينية). . .

تميزت

123