من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

العبدري بمدينتي الجزائر وقسنطينة

ثم وصلنا إلى الجزائر وهي مدينة تستوقف بحسنها ناظر الناظر. ويقف على جمالها خاطر الخاطر قد حازت مزيتي البر والبحر وفضيلتي السهل والوعر، لها منظر معجب أنيق وسور معجز وثيق وأبواب محكمة العمل يسرح الطرف فيها حتى يمل ولكنها قد أقفرت من المعنى المطلوب كما أقفر من أ أهله ملعوب فلم يبق بها من هو أهل العلم محسوب، ولا شخص إلى فن من فنون المعارف منسوب، وقد دخلتها سائلاً. عن عالم يكشف كربة أو أديب يؤنس غربة. فكأني أسأل عن الأبلق العقوق أو أحاول تحصيل بيض الأنوق. ثم وصلنا إلى مدينة بجاية مبدأ الاتفاق والنهاية. وهي مدينة كبيرة حصينة منيعة شهيرة برية بحرية سنية سرية. وثيقة البنيان عجيبة الاتقان رفيعة المباني، غريبة المعاني. موضوعة في أسفل جبل وعر، مقطوعة بنهر وبحر. مشرفة عليهما إشراف الطليعة متحصنة بهما منيعة فلا مطمع فيها لمحارب ولا متسع فيها لطاعن وضارب ولها جامع عجيب منفرد في حسنه غريب من الجوامع المشهورة الموصفة المذكورة وهو مشرف على برها وبحرها. و موضوع بين سحرها ونحرها. فهو غاية في الفرجة والأنس. ينشرح الصدر لرؤيته وترتاح النفس، وأهلها يواظبون على الصلاة فيه مواظبة رعاية. ولهم في القيام به تهمم وعناية فهو بهم مأهول عامر يتخلل أنسنه مسلك الأرواح ويخامر، وهذا البلد بقية قواعد الإسلام ومحل جلة من العلماء الأعلام. وله مع حسن المنظر طيب المخبر. ومع المرأى الرائق المعنى الفائق، ومن الحصانة ووثاقة البنيان ما أزرى بارم وغمدان ولأهله من حسن الخلق والأخلاق ما أنبأ عن طيب الهواء والماء والتربة والأعراق.

غير أنه اعتراه من الغير ما شمل في هذا الأوان البدو والحضر، قد غاض بحر العلم الذي كان به حتى عاد وشالا. وعفا رسمه حتى عاد طللا. وبه آحاد من طلبة العلم قد اقتصروا على مطالعة الصحف والدفاتر وسلكوا في ترك تصحيح الرواية

126