من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٣١حسب تعبير عبد الوهاب بن منصور من الكتب التي تكتب سطورها بماء الذهب ويفتخر بتأليفها أهل المغرب الأوسط، ولولاه لجهل أعلام وضاع علم كثير. ويتميز الكتاب خاصة: بأنه حصيلة مركزة لمادة تاريخية غزيرة حرص مؤلفها على جمعها ثم اضطر إلى اختصارها في السنوات الأخيرة من حياته المتميزة بالاضطراب والمآمرات، فلم يذكر منها إلا ما رآه ضرورياً كتاريخ الولادة والوفاة إن توفر له بالنسبة للشخصية المترجم لها أو نشاطها العلمي وما اشتهرت به بعبارة بسيطة مركزة مثل: فقيه ورع أو شاعر أديب أو مؤرخ مع إضافة الدلالة اللفظية على إتقانه للعلم واشتهاره به مثل قوله: المتقن. … » وهو لا يغفل مع ذلك الإشارة إلى الأحداث التي عرفتها بجاية وبعض بلاد المغرب وإفريقيا والأندلس والتي تتعلق بالأوضاع الاجتماعية والواقع الاقتصادي والسياسي، ولا سيما ما يهم الحياة الثقافية التي نجح الغبريني في تكوين صورة متكاملة عنها إلى حد كبير في فترة الهجرة المكثفة لعلماء الأندلس نحو تونس مروراً ببجاية التي كانت محطة استقبال لهم وموطن استقرار لبعضهم، كما يتميز كتاب عنوان الدراية بكونه انعكاساً لثقافة العصر وتعبيراً عن اهتمامات وميول مؤلفه. فهو يظهر في سياق عرضه ضجراً من الحياة السياسية. ويعبر عن نزعته في اعتزال الناس هرباً من الحياة المضطرية على عهده في بجاية، والتي ذهب في آخر الأمر ضحية لها. وكان لا يرى مخرجاً من ذلك إلا بتقليد السلف الصالح والنزوع إلى حياة التصوف والزهد. مبدياً ذلك في وصفه للشخصيات التي ترجم لها غالباً بـ «الفقيه الورع المتقن، وبذكر ما تميزوا به من صلاح وما اشتهروا به من علم وورع وتقوى مما يتوجب التبرك. بهم بأفعالهم. ويعبر عن ذلك قوله وليس القصد. في هذا نموذج الاستكثار من الكتاب وشعر الشعراء وإنما القصد الإيذان والإعلام.
والاقتداء
كتب
وإذا تجاوزنا الجانب التاريخي من عنوان الدراية إلى لغته وأسلوبه فإننا نلاحظ أنه تعبير صادق عن أسلوب عصره ومستوى ثقافته. إذ يتميز باستخدام السبيع لكن في عبارات قصيرة بعيدة عن التنميق والتكلف والإغراق في المحسنات البديعية الأمر الذي جعل عباراته تتميز بالاختصار وتكاد تحاكي طريقة الحيثيات القضائية ومنطقية الأحكام الفقهية.
131