من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٤١ثمانون ألفا منكم هَزَمَتْهُم ثلاثون ألفاً، إن ذا لَنكَالُ ووصل العرب إلى نواحي القيروان وجعل كل من سبق إلى قرية يسمي نفسه لهم، ويؤمنهم، ويعطيهم قلنسوته أو رقعة يكتبها لهم علامة، ليعلم غيره أنه سبقه، وبات الناس ليلتين بالقيروان تحت مالا يعلمه إلا الله تعالى من الخوف، لا يدرون ما ينزل بساحتهم وأقام الناس يومين لا يدخل إليهم داخل ولا يخرج منهم خارج وخيل العرب تسرح حول القيروان في كل جهة ومكان، والناس يرونهم عيانا بياناً، وخرج السلطان سابع عيد الأضحى بجنوده. وخرج عامة القيروان معه، فلم يتعد بهم المصلى، ورجع العرب في أمانهم الذي أعطوا أهل البوادي، وانتهبوا جميعها، وانتقل أهلها إلى القيروان وأمر السلطان كافة الناس بانتهاب كافة الزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة وهي المنصورية فسر المسلمون بها وحسبوها من أرزاقهم، وكان مصيرها إلى ما قدر الله من فسادها وأكل البهائم لها. وفي السابع عشر لذي الحجة ظهرت خيل العرب على ثلاثة أميال من القيروان فنزل السلطان يمشي فيها. ويوصي أهلها بالاحتفاظ والبناء، وأخذ الناس في بناء دورهم وأمر السلطان المعز أن ينتقل عامة أهل صبرة وسوقتها إلى القيروان. ويخلوا الحوانيت كلها بصبرة، وأمر جميع من بالقيروان من الصنهاجيين وغيرهم من العسكر أن ينتقلوا إلى صبرة وينزلوا في حوانيتها وأسواقها، فارتج البلد لذلك، وعظم الخطب واشتد الكرب. ومد العبيد ورجال صنهاجة أيديهم إلى خشب الحوانيت وسقائفها، واقتلعوها وخربت العمارة العظيمة في ساعة واحدة، وبات الناس على خوف عظيم، ثم أصبحوا فعاينوا خيول العرب، فأمر السلطان ألا يخرج العسكر على سور صبرة.
قال ابن شرف أخبرني من أثق به قال خرجت من القيروان وسرت ليلا، فكنت أكمن النهار، فلم أمر بقرية إلا وقد سحقت وأكلت، وأهلها عراة أمام حيطانها من رجل وامرأة وطفل يبكي جميعهم جوعاً وبرداً. وانقطع المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق، وأمسك العرب جميع من أسروه، فلم يطلقوا أحد إلا بالفداء مثل أسرى الروم، وأما الضعفاء والمساكين فأمسكوهم لخدمتهم.
ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار المغرب، مكتبة صادر بيروت، 1950، الجزء الأول، ص ص
422 - 419
141