من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٥١

أربعة أشهر تعرف خلالها على أئمة الحديث وشيوخ الفقه.

غادر ابن رشيد الحجاز نحو الشام في شهر محرم 785 هـ، وقد عبر عن حنينه وشوقه إلى الأماكن المقدسة بأشعار منها هذان البيتان اللذان نظمهما عندما ودع الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة:

أودعكم وأُودِعُكم جناني وأنثر عبرتي نثر الجمان

وقلبي لا يود لكم فراقا ولكن هكذا حكم الزَّمانِ ومن الشام تحول نحو بلاد المغرب وكله حنين إلى مسقط رأسه سبتة التي

خلدها بقصيدة طويلة منها هذان البيتان:

أقول إذا هب النسيم المعطرُ لعل بشيراً باللقاء يُبَشِّرُ

ربوع بود المسك طيب ترابها ويهوى حصى فيها عقيق وجوهر

مع

وزيرها

وفي طريق عودته توقف بطرابلس الغرب، ثم قصد تونس التي فارقه عندها أبو عبد الله بن الحكيم الذي تعجل في الذهاب إلى الأندلس، بينما بقي ابن رشيد بها مدة سنة غادرها بعد ذلك مواصلاً رحلته إلى المغرب فمر بيونة (عنابة)، واستقر به المقام بغرناطة في الأندلس سنة 692 هـ. حيث عقد صداقة الأديب أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكم اللخمي الرندي، وحظي بتكريم سلطان غرناطة الذي ولاه الإمامة والخطابة بجامع غرناطة. وعندما قتل الوزير الرندي 708 هـ تحول رشيد عن الأندلس إلى فاس، فاتصل بالسلطان المريني أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف فأكرمه وأحسن رفادته وظل في كنفه حتى وافته المنية سنة 721 هـ / 1321 م ودفن بمقبرة العلماء خارج باب الفتوح بالروضة. عرف ابن رشيد بقوة شخصيته وورعه وزهده وكرمه ورعايته لطلبة العلم ومواساته للمحتاجين. فكان محل تقدير وتنويه من كل الذين ترجموا له. فقال عنه ابن رشد كان ضليعاً في الحديث وخطيباً بليغا، ووصفه لسان الدين بن الخطيب قائلاً: «فريد دهره عدالة وحفظاً وأدباً وهدياً عالي الإسناد، صحيح النقل، تام العناية، عارفاً بالقراءات بارع الخط كهفاً للطلبة، وكل تواليفه مفيدة. وذكره الحافظ الذهبي واصفاً إياه بأنه كان ورعا مقتصداً منقبضاً عن الناس، ذا هيبة

151