من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٨٥ابن جزي بقوله ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد. موضحة للمناحي التي اعتمدها وربما أوردت لفظة على وضعه فلم أخل بأصله ولا فرعه، وأوردت ما أورده من الحكايات والأخبار. جميع
تعتبر تحفة الناظر لابن بطوطة من المصادر التاريخية والمراجع الجغرافية المهمة فهي تقدم لنا لوحة متكاملة وعرضاً شاملاً لمجال الحضارة الإسلامية في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي في فترة انحسار موجة الصليبيين بالشام السلاجقة و توسع في الأناضول، وتعزيز نفوذ السلاطين المغول بالهند، وتجدد قوة المغرب بفضل جهود المرينيين، وذلك بما تضمنته هذه الرحلة من معلومات تتعلق بطبائع الناس وعاداتهم وطرق معيشتهم وموارد رزقهم وصنائعهم، فقد أورد فيها مؤلفها صورة عن الأعياد والمواسم والمعاملات وعن المدارس والزوايا والمساجد والعلماء والصالحين والزهاد وغيرهم معتمداً على الذاكرة ومستنداً إلى الملاحظة مستعيناً بالخيال رغم وجود بعض الثغرات نتيجة النسيان مما اضطر ابن جزي إلى الرجوع إلى نصوص بعض الرحلات المتقدمة في وصف بعض البلدان مثل الشام التي استعان فيها بما سجله عنها ابن جبير في رحلته (ت 614 هـ).
ورغم ما تضمنته رحلة ابن بطوطة من معلومات عن الأقطار النائية مثل الهند والصين وجنوب شرقي آسيا، فإنها ظلت بعيدة عن اهتمام الباحثين العرب المسلمين. وذلك بعكس ما حظي به الرحالة الأوربي المعاصر لابن بطوطة ماركو بولو البندقي الذي ساح في الشرق الأقصى 1271 - 1295 م) وتوفي بسنة و نصف قبل انطلاق ابن بطوطة في رحلته، فقد ألفت حوله ـ (ماركو بولو) الكتب وقدمت عنه الدراسات وحققت رحلته وعلق عليها أكثر من مرة، ووضعت لها خرائط ومصورات حتى تألفت مكتبة غنية تعرف باسمه، بينما الرحالة المغربي - ابن بطوطة - الذي عاش في نفس العصر وسلك نفس طريق الرحلة. ووصل إلى أغلب البلدان التي سافر إليها ماركو بولو في الشرق الأقصى والصين، لم يجد العناية ولم يلق الاهتمام اللازمين ولم تظهر دراسات وأبحاث حول أسفاره، فظل مغموراً ولم تنشر رحلته إلا بعد أن تعرف عليها الأوربيون أمثال بوشار (Buchard) الذي وضع لها مختصراً، وكازيجارتن (Kasegarten) الذي ترجمها مختصرة إلى
185