من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

للآفاق محباً للمغامرة ذا ثقافة دينية محدودة وإيمان عميق وحماس فياض فيما يتعلق بأمور العقيدة. ولعل هذا ما جعله يصدق كل ما يحكى له من كرامات. لم ير بدا من روايتها كما قصت عليه كما هو الشأن عن لحية جمال الدين وحديثه عن النساء ذوات الثدي الواحد وإن كان يستهل حكاياته بعبارة (ويزعمون) أو يعقب عليها بقوله: (هذا في زعمهم على أن ذلك لا ينقص من قيمة وحيوية عرضه ودقة ملاحظاته وطرافة قصصه ودقة أسلوبه وعفويته في سرد الوقائع كما ارتسمت في مخيلته، وهذا ما جعل المستشرق دوزي يصفه بالرجل الأمين».

هذا وقد حظي ابن بطوطة رغم تشكيك بعض الناس في صحة ما رواه من الأخبار واهتمام ورعاية الملك المريني أبي عنان (759749 هـ/ 1348 - 1358 م) الذي ولاه قضاء إقليم تامسنا وبقي به حتى وافته المنية سنة (779 هـ / 1377 م) وكان قد طلب منه تقييد رحلته التي تولى تدوينها أحد رجال أبي الحجاج يوسف بن الأحمر صاحب غرناطة وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي (ت 757 هـ / 1356 م) ويعد من الكتاب المجيدين والقائمين بالإفتاء، وقد أمضى في تدوينها ثلاثة أشهر وانتهى منها سنة 756 هـ / 1355 م، وقسمها إلى قسمين الأول ينتهي بوصول ابن بطوطة السند، والثاني بنهاية الرحلة الثانية، وقد اعتمد ابن جزي فيما سجله على الرواية الشفوية والتقاييد المطولة التي وضعها ابن بطوطة في أسلوب جيد مع حذف التفاصيل التي لم ير فائدة من تسجيلها. وهذا ما أشار إليه ابن جزي في ختام تقييده للرحلة قائلاً: «انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة أكرمه الله، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحال العصر ومن قال رحال هذه الملة لم يبعد. . . . . جاءت صياغة ابن جزي لرحلة ابن بطوطة في أسلوب أدبي جمع حيوية العرض ودقة الوصف إلى تنوع الرواية وطرافة الأخبار، وقد حرص ابن جزي على أن لا يدخل عليها تصحيحاً أو تحريفاً، فجاء فيها نوع من الاضطراب في سرد الأحداث وتسلسل الوقائع وإن عكست شخصية صاحبها ببساطة تعبيره ودقة ملاحظاته ورقة شعوره وقوة ذاكرته وتدينه واحترامه للعادات والتقاليد، وتتبعه لدقائق الأمور واهتمامه بغريب المخلوقات ونادر الأشياء، وقد أشار إلى ذلك

184