من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ١٨٩تونس الذين صحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره، وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته بتونس فانتهى خبره لابن سيد الناس المذكور فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم، ولما وصلنا إلى بجاية كما ذكرته - أصابتني الحمي، فأشار علي أبو عبد الله الزبيدي بالإقامة فيها حتى يتمكن البرد مني، فأبيت وقلت: إن قضى الله عز وجل بالموت فتكون وفاتي بالطريق وأنا قاصد أرض الحجاز» فقال لي: أما إن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك دابة وخباء، وتصحبنا خفيفاً، وإننا نجد السير خوف غارة العرب في الطريق». ففعلت هذا وأعارني ما وعد به جزاه الله خيراً. وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الإلهية في تلك الوجهة الحجازية.
وسرنا إلى أن وصلنا مدينة قسنطينة، فنزلنا خارجها، وأصابنا مطر جود اضطررنا إلى الخروج عن الأخبية ليلاً إلى دور هنالك، فلما كان من الغد تلقانا حاكم المدينة، وهو من الشرفاء الفضلاء يسمى بأبي الحسن، فنظر إلى ثيابي وقد لوثها المطر، فأمر بغسلها في داره وكان الإحرام منها خلقاً، فبعث مكانه إحراماً بعلبكيا، وصرّ في أحد طرفية دينارين من الذهب فكان ذلك أول ما فتح به علي
وجهتي.
ورحلنا إلى أن وصلنا مدينة بونة ونزلنا بداخلها وأقمنا بها أياماً، ثم تركنا بها ما كان في صحبتنا من التجار لأجل التخوف في الطريق، وتجردنا للسير،
وواصلنا الجهد.
بسبب
تونس.
وأصابتني الحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط، الضعف، ولا يمكنني النزول من الخوف، إلى أن وصلنا إلى مدينة
أبو عبدالله محمد الطنجي المعروف بابن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار تحقيق وتقديم علي المنتصر الكناني
مؤسسة الرسالة، بيروت 1985 الجزء الاول ص ص 30 - 32.
189