من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

من مآثر أبي الحسن المديني بتلمسان

وأما ما أنشأه بمدينة تلمسان، فمما يرجى من الله إعادة رسمه وتجديد آثاره، فكان مما لم يعهد مثله في سالف الأزمان ولا سبق شكله في قواعد البلدان، فمن ذلك جامع القصبة المشتمل على المحاسن التي لم يجتمع مثلها في مثله من حسن وضعه وجمال شكله وترتيب رواقاته واعتدال صحنه وحسن ستاره ومعين مائه واتساع رحابه واحتفال ثرياته الفضية منها والصفرية وغرابة منبره.

وأما الجامع الكبير فقد اتفق الرحالون وأجمع المتجولون على أنهم لم يروا له ثانياً، أما أن جامع بني أمية تم حسنه لما كمل ترتيب وضعه، ولو كملت تتمات هذا الجامع لما قصر عنه وجامع المنصور بمراكش الذي يضرب به الأمثال وإن كان أكبر مساحة إلا أن ما كان في هذا من الرخام والأحكام أغرب وأعظم، ولا شك أن صومعته لا تلحق بها صومعة في مشارق الأرض ومغاربها صعدتها غير مرة مع الأمير أبي علي الناصر، وهو رحمه الله على فرسه وأنا على بغلتي، من أسفلها إلى أعلاها، كأن في وطء من الأرض. وكانت على الباب الجوفي منه ولها ممران يطلع فيهما إلى أعلاها وكانت محكمة البناء والنجارة في الأحجار بصناعة مختلفة من الأحكاء في كل جانب. ورأيت العمود الذي يركب فيه التفافيح، وهو من حديد يشبه يكون صارياً. وأما الثريا فكان عملها على يدي وأنا الذي رسمت تاريخها في أسفلها بخطي على ما هي عليه الآن في جامع تلمسان، وتشتمل على ألف مشكاة أو نحوها، وعهدي بقدر وزنها مرسوم

في أسفلها، وهي على مقدار كرم.

وأما المنبر، فقد أجمع الصناع يومئذ على أنه لم يعمل مثله في المعمور، وقد اتفقوا على أن منبر قرطبة ومنبر الكتبيين بمراكش أحفل منابر المعمور صناعة،

198