من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢ابن خلدون بقلعة بني سلامة»
ونزلت بهنين، والجو بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم، بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مر فأوعز بمقامي بهنين، وقد وفد عليه محمدبن عريف فعذله في شأني، فبعث عني إلى تلمسان واستقررت بها بالعباد، ولحق بي أهلي وولدي من فاس وأقاموا معي، وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين، وأخذت في بث العلم وعرض للسلطان أبي حمو أثناء ذلك رأي في الدواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه، ونكرته على نفسي، لما آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهراً، وخرجت مسافراً من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس، ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول، فتلقوني بالتحفي والكرامة، وأقمت بينهم أياماً حتى بعثوا عن أهلي وولدي من تلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة بني سلامة، من بلاد بني توجين التي صارت لهم بإقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة أعوام، متخلياً عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها. وأكملت المقدمة منه. على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره.
ولما نزلت بقلعة بني سلامة بين أحياء أولاد عريف، وسكنت منها بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها، ثم طال مقامي هنالك، وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان وعاكف على تأليف هذا الكتاب. وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناته، وتشوفت إلى
222