من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار بعد أن أمليت الكثير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أوفى بي على الثنية، لولا ما تدارك من لطف الله؛ فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس، والرحلة إلى تونس. حيث قرار آبائي ومساكنهم وآثارهم، وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة وانتظرت فما كان غير بعيد، وعهوده بالأمان والاستحداث للقدوم، فكان الخفوف للرحلة، فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الأخضر من بادية رياح كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس، وارتحلنا في رجب سنة ثمانين، وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطرف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار، الضيعة التي اختطها بالزاب فرحلتهم معي إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة. ومعه صاحبها الأمير إبراهيم ابن السلطان أبي العابس بمخيمه وفي عسكره، فحضرت عنده، وقسم لي من بره وكرامته فوق الرضى، وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة، وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، بينما أصل إلى حضرة أبيه.
عبد الرحمن بن خلدون
كتاب العبر وديوان المبتد والخبر
ط بيروت 1959 ـ 1969
الجزء السابع: التعريف بابن خلدون»
صص
247 - 244
223