من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢وفاس، فاختلف العلماء في شأن ما ذهبت إليه إذ ناصره السنوسي واعترض ابن غازي على ما قال به المغيلي في حكم آية التولية في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم … ولم يسلم بأخذ المغيلي بظاهر الآية التي تجعل التعصب لأهل الذمة في حكم التكفير، على أن ما طرحه المغيلي من أفكار في مصباح الأرواح كان يستجيب لحاجات المتجمع ويتماشى مع مقتضى الشرع. وهذا ما جعل ابن مريم
في البستان وأحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج يصفانه بأنه كتاب «عجيب». تتألف رسالة مصباح الأرواح من ثلاثة فصول أثار فيها المغيلي المخاطر التي نجمت عن تأثير اليهود على المسلمين في حياتهم العامة، وشرح وجهة نظره الساخطة على تقرب اليهود وهم أهل الذمة من أولى الأمر من المسلمين وثقة هؤلاء باليهود وتوكيلهم على أموالهم، وقد استثاره خاصة ما كان يصدر عن اليهود من تصرفات لا تتماشى ومنزلة أهل الذمة في الشرع فقد تجاوزوا حدودهم في معاملتهم للمسلمين بعد أن تمكنوا من شراء ذمم بعض الحكام وشيوخ القبائل. فكان الفصل الأول في ما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار، والثاني فيما يلزم أهل الذمة في الجزية والصغار، والثالث فيما عليه يهود هذا الزمان في أكثر من الجرأة والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية بتولية أرباب الشوكة
الأوطان
وخدمة السلطان.
جاء كتاب مصباح الأرواح رغم اختصاره مذكرة أخلاقية ورسالة سياسية وخطاباً تربوياً حاول فيه المغيلي تنبيه المسلمين إلى الخطر المحدق بهم. وحثهم على الرجوع إلى مباديء دينهم الحنيف والتمسك بالقيم الأخلاقية والسلوكية التي أرشدهم إليها، وكان الدافع للمخيلى إحساسه الداخلي بأن المسلمين مقبلون على الانهيار لمجانبتهم العدل، وانحرافهم عن تطبيق الشرع الإسلامي، وهم مهددون بتسلط غيرهم وفي مقدمتهم اليهود عليهم، والتحكم في مقدراتهم الاقتصادية فكانت دعوته للعامة وتحذيره للخاصة ومواجهته للحكام محاولة جريئة لم يكتب
لها النجاح لوقف الانهيار الذي تعرضت إليه الأمة الإسلامية الذي يتحمل مسؤوليته الحكام لانحرافهم ولا مبالاتهم.
272