من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣١٦من مآثر أحمد المنصور
درهم
اعلم أن مخدومنا أولى ما صرفت إليه همته تمهيد الطرق على المسافرين بمنازل وقيام أمر بسكناها على الطريق بين المنزلة والمنزلة ما يقرب من أربعة وعشرين ميلاً يسكنها أهل البادية، فقد أجرى لهم على ذلك من أقطاع الأرض ما يكفيهم ثواباً لهم على سكناهم هنالك وأمرهم ببيع الشعير، والطعام، واللحم، والعسل، وغير ذلك مما يحتاج إليه المسافر ودوابه. وفي بعض المنازل من يصنع أطعمة جيدة ويبيعها ممن يستحقها وإن باتت لديهم قافلة يحرسونهم طول الليل ويحوطون أمتعتهم، وإن ضاع شيء فيما بينهم ضمنوه لربه حتى لم يبق له واحد، وإن كان ضياعه فيما بين المنزلتين ضمنه أقربهما منه أي من كان ذلك في حدوده الملزوم، فتجد المسافر في حال ذهابه وإيابه كأنه في بيته وبين أهله، ولقد ضاع من بعض أصحابي حمل (ملف) مرة وثمنه ما يقرب من ثمانمائة أوقية، فأعطاني ذلك كله قائد قواده ودعامة اعتماده أبو سالم القائد إبراهيم بن محمد السفياني عن آخره ومثل هذا اتفق لبعض التجار، ذهب لهم شيء سرق بقرب بعض المنازل فرفعوا أمرهم إليه - أيده الله تعالى - فأعطاهم ذلك من بيت ماله إلى أن يخلفه من أهل المنزل وتوجبت يمين على التجار على أن الذي ضاع منهم قدره كذا، فعافاهم منها وأدى لهم المال عن آخره أعني القدر الذي حددوه لأنفسهم، وهذا دأبه أبداً مع رعيته وليست بلاده كبلاد المشرق التي لا يقدر: أن يسافر فيها في البر إلا مع قافلة عظيمة محتوية على آلاف من الناس الحاملين للأسلحة، وقد يعرض لهم من العرب من يقاومهم فينهب أموالهم، ويستبيح دماءهم، وأما ما جرت به عادة أهل المشرق من توظيف الأمكاس على أموال التجار عند الوصول إلى كل، مدينة وشبه ذلك من المسمى بالغفر عند العرب
أحد
316