من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣١٩السعدي. فأمر الباشا محمد بن زرقون قائد جيش المنصور بالسودان باعتقالهم مع جملة أعيان تنبكتو في 24 محرم 1002، وكان عددهم يزيد على سبعين نفراً من رجال ونساء وأطفال واستولوا على أملاكهم وأتلفوا كتبهم. فقد ذكر أحمد بابا التنبكتي أن كتبه التي نهبت في هذه الحوادث ألف وستمائة مجلد». ثم أرسلوا مصفدين إلى مراكش، وكانت رحلة شاقة وطويلة عانى أحمد بابا عذاب القيد وآلام ساقه التي كسرت عندما وقع من على ظهر الجمل أثناء الطريق.
وصل أحمد بابا مع باقي أفراد أسرته ومن كان معهم من أهل بلده إلى مراكش في مستهل رمضان 1002 هـ، ولم تنزع عنهم القيود إذ ظلوا في حكم الثقاف. وبعد أن خففت عنهم القيود 1004 وألزموا بالبقاء في مراكش انقطع التنبكتي للعبادة والعلم، ثم وافق بعد إلحاح الخاصة عليه أن يجلس للإفتاء والتدريس بجامع الشرفاء، فكان مثال العالم المسلم الذي لا تشغله دنياه عن دينه وآخرته، وكانت له مواقف السلطان أحمد المنصور الذهبي شهدت له برباطة الجأش وقوة الشخصية، فقد رفض أن يكلمه من وراء حجاب عندما استدعاه إلى قصر البديع، لأنه رأى في سلوك السلطان هذا ما يخالف تعاليم الدين، وخاطب السلطان قائلاً: إن الله تبارك وتعالى يقول: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب وأنت تشبهت برب الأرباب فإن كان لك حاجة في الكلام معنا فأنزل إلينا وارفع الحجاب عنا فاستجاب أحمد المنصور لطلبه، وأثناء الحديث لم يقتنع بجواب السلطان في سبب نفيه من تنبكتو بغرض اجتماع الكلمة، فقال له هلا جمعت الكلمة بترك تلمسان وما يليها من البلدان، وعندما رد عليه السلطان محتجاً بما ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث: اتركوا الترك ما تركوكم» أجابه بدون تردد بذكر الحديث الذي رواه ابن عباس الا تتركوا الترك وإن تركوكم. مكث أحمد بابا التنبكتي بمراكش مدة عشرين سنة بين حجز وإقامة جبرية. من أخصب فترات عمره. فقد قضاها في التدريس والإفتاء والتأليف. وضع فيها تسعة وعشرين كتاباً كما ذكر هو نفسه، وارتبط أثناء هذه المدة بصداقات. رجال الثقافة وشيوخ العلم. فتعرف فيها على أحمد بن القاضي صاحب جذوة الاقتباس، ومحمد بن يعقوب الآيسي صاحب الفهرسة وأحمد المقري، والمفتي
كانت
مع
319