من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي ناصر الدين سعيدوني

من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٣٢٨

للسلطان أحمد الذي توفي قبل أن ينهي المقري كتابه (1012) بعدها عاد إلى فاس واتصل بسلطانها زيدان السعدي وطابت له الإقامة هناك فمكث بها خمس عشرة سنة تولى فيها الإمامة والخطابة بجامع القرويين وارتقى إلى منصب الإفتاء، وبعد وفاة شيخه محمد الهواري (1022 هـ). اضطر إلى الاختفاء ليتجنب الخوض في قضية تسليم الشيخ المأمون السعدي مدينة العرائش للإسبان مقابل إعانتهم له على أسترجاع عرشه، وقد كان يسعى للحصول على فتوى تجيز له ذلك، وقد كان المقري أَيْضاً عرضة لعداء أهل فاس لمكانته المتميزة ومنزلته الخاصة والذين اتهموه بالميل إلى قبيلة الشراقية التي تعود أصولها إلى منطقة تلمسان والتي كانت تحظي بمنزلة خاصة لدى الشيخ محمد السعدي، فقرر عند ذلك مغادرة المغرب الذي قال عنه في نفح الطيب وإن سماسرة الفتن سامت بضائع أمنه نقصاً. وطمى به بحر الأهوال. وقد غادره عن طريق البحر من ساحل تطوان في شهر رمضان (1027 هـ / 1617 م) ومرَّ على مدينة تونس وسوسة وبلغ الإسكندرية ومنها قصد القاهرة وأقام بها نحو شهر ثم توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج

(p 1618/1028)

لم يحالف الحظ أحمد المقري في مقامه بالقاهرة، فقد عاش حياة ضنك

ومعاناة ولم يجد السعادة والاستقرار بزواجه من سيدة من عائلة السادة الوفائية، فظل يغمره الشوق ويستبد به الحنين إلى تلمسان، وفاس، وقد عبر عما كان يكابده ويعانيه من ألم الغربة ومتاعب الحياة، نثراً وشعراً كمثل قوله: … وليت شعري علام يحسد من أبدل الاغتراب شارته وأضعف الإضطراب إشارته، وانهل بالدموع أنواءه، وقلل أضواءه، وكثر علله وأدواءه».

وما أنا عن تحصيل دنيا بعاجز ولكن أرى تحصيلها بالدنية وإن طاوعتني رقة حال مرة ابت فعلها أخلاق نفس أبية

وجد المقري في الاشتغال بالتدريس برواق المغاربة بالأزهر والتفرغ للكتابة والتأليف، والتردد على البقاع المقدسة والأسفار ما يخفف عنه ثقل الحياة وشجون الغربة، فدرس بالمسجد الأقصى بالقدس 1037 هـ، وأدى فريضة الحج خمس مرات. وجاور بمكة المكرمة، وأقام بالمدينة المنورة وأملى الحديث

328