من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩بمسجدها، وقد أثارت زيارته لدمشق كوامن الحنين إلى مراتع الشباب التي كان
فيها موفور العزة والكرامة. فنظم في ذلك كثيراً من الأشعار منها هذه الأبيات: ترکت رسوم عزي في بلادي وصرت بمصر منسي الرسوم ورضت النفس بالتجريد زاهداً وقلت لها عن العلياء صومي مخافة أن أُرْمَى بالحرص ممن يكون زمانه أحد الخصوم
بقي المقري في دمشق أربعين يوماً لقيت أثناءها أحاديثه في المجالس الخاصة ودروسه بالجامع الأموي الإقبال والترحيب فقد ذكر المحبي في خلاصة الأثر أنه عندما اختتم صحيح البخاري يوم الأربعاء السابع عشر رمضان 1037 هـ / 1628 م، أوتي له بكرسي الوعظ فصعد عليه وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبداً … وازدحم الناس على تقبيل يده … ولم يتفق
لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما أتفق له من الحظوة وإقبال الناس.
لم يغادر المقري دمشق إلا بعد أن قطع على نفسه عهداً بتسجيل مآثر لسان الدين بن الخطيب نزولاً عند رغبة صديقه ومضيفه أحمد شاهين رغم تردده أول الأمر خوفاً من نقص المصادر وضعف الذاكرة وكان ينوي عند عودته إلى مصر ترتيب أموره والاستعداد للرجوع إلى فاس أو الانتقال إلى دمشق. وبعد أن نزل بغزة في ضيافة الشيخ الغصين وحل بالقاهرة بادر إلى تطليق زوجته التي لم يكن سعيداً معها بعد أن لم يعد يربطه بها أي رابط إثر وفاة ابنته منها (1038 هـ) فتعرض لنقمة أسرتها، وتعصب العامة ضده تعاطفاً. مع خصومه. ولم يعد يكلمه أحد. ولا يتعامل معه من كان له صلة بهم، فوصف حاله بقوله: والقلب حليف شجن وغربة، والفكر أليف حزن وكربة». وجاء في إحدى رسائله إلى أحد أصدقائه بفاس ولما طلقتها لم يبق في مصر أحد يسلم علي إلا رجل حداد. وقد ذكر الخفاجي أن المقري وجد بمصر الحسد والنفاق، وتجارة الآداب ليس لها بسوقها نفاق وأثناء ذلك كان المقري يجهد نفسه في تأليف كتابه «نفح الطيب» ولم يكد ينتهي منه حتى اعتلت صحته، ولم يلبث أن توفي وكان ذلك في جمادى الآخرة (1041 هـ / 1032 م) ودفن غريباً في قرافة المجاورين بالقرب من جامع الأزهر. فخبت بموته شعلة لم تجد في دار غربتها من يُقدرها وينزلها المكانة اللائقة بها.
329