من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠فينجر بنا الكلام والحديث شجونا بالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون إلى ذكر البلاد الأندلسية ووصف رياضها السندسية، التي هي بالحسن منوطة … فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني، من الفيض الرحماني، وأسرد من کلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني،
فلما تكرر ذلك غير مرة على أسماعهم لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم، وعلق بقلوبهم. فطلب مني المولى أحمد الشاهيني إذ ذاك، وهو الماجد المذكور، ذو السعي المشكور أن أتصدى للتعريف بلسان الدين في مصنف يعرب عن بعض أحواله وأنباته، وبدائعه وصنائعه ووقائعه. ملوك عصره
وعلمائه وأدبائه ..
فأجبته أسمى الله قدره الكبير، وأدام عرف فضائله المزري بالعنبر والعبير، بأن هذا الغرض غير سهل. ولست علم الله له بأهل من جهات عديدة، أولها قصوري عن تحمل تلك الأعباء الشديدة، إذ لا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة، وثانيها عدم تيسر الكتب المستعان بها على هذا المرام لأني خلفتها بالمغرب، وثالثها شغل الخاطر بأشجان الغربة، الجالبة للفكر غالب الكربة، وتقسم البال، بين شغل عائق وبليال.
ولم يجعل لي المذكور - حفظه الله - فسحة ولا مندوحة، بعد هذه الأعذار الممدودة في الصدق الممدوحة … ثم لما تكرر علي في هذا الغرض الإلحاح. ولم تقبل أعذاري التي زندها شحاح عزمت على الإجابة لما للمذكور علي من الحقوق، وكيف أقابل بره - حفظه الله - بالعقوق … فوعدته بالشروع في المطالب عند الوصول إلى القاهرة المعزية، وأزمعت السير عن دمشق المعروفة
المزية.
إنني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب، وكتبت نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب. ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى، فأخرته تأخير الغريم لدين الكريم … وصدتني أعراض عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض … فجاءتني من المولى المذكور آنفاً ابن شاهين) رسالة دلت على أنه
340