من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩ثم رجعت إلى القاهرة وكررت منها الذهاب إلى البقاع الطاهرة، فدخلت لهذا التاريخ الذي هي عام تسعة وثلاثين وألف خمس مرات. وحصلت لي المجاورة فيها مرات وأمليت فيها على قصد التبرك دروساً عديدة، والله يجعل أيام العمر بالعودة إليها مديدة، ووفدت على طيبة المعظمة ميمماً مناهجها السديدة سبع مرات وأصفات بالعود إليها ما بلالأبكار الحرار، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع ونلت بذلك وغيره ـ والله المنة ـ ما لم يكن لي فيه مطمح ولا مطمع، ثم أبت إلى مصر مفوضاً لله الأمور، جميع ملازماً خدمة العلم الشريف بالأزهر المعمور وكان عودي في الحجة الخامسة سبع وثلاثين وألف للهجرة (1627 م) فتحرقت همتي أوائل رجب هذه
بصفر سنة
السنة للعود للبيت المقدس، وتجديد العهد بالمحل الذي هو على التقوى مؤسس فوصلت أواسط، رجب، وأقمت فيه نحو خمسة وعشرين يوماً بدا لي فيها بفضل الله وجه الرشد وما أحتجب وألقيت عدة دروس بالأقصى، والصخرة المنيفة، وزرت مقام الخليل ومن معه من الأنبياء ذوي المقامات الشريفة … ثم جدت لي في منتصف شهر شعبان عزم على الرحلة إلى المدينة التي ظهر فضلها وبان، دمشق الشام، ذات الحسن والبهاء والحياء والاحتشام … ودخلتها أواخر شعبان المذكور وشاهدت بعض مغانيها الحسنة ومباينها المستحسنة. … فالجامع الجامع للبدائع يبهر الفكر والغوطة المنوطة بالحسن تسحر الألباب،. . وكنت قبل رحلتي إليها والوفادة عليها كثيراً ما أسمع عن أهلها زاد الله في ارتقائهم ما يشوقني إلى رؤيتها ولقائهم. حتى لقيت بمكة المعظمة، أوحد كبرائها الذين فرائدهم بلبة الدهر منظمة، .. صاحب القلم مفتى السلطان في تلك الأوطان على مذهب الإمام النعمان مولانا الشيخ عبد الرحمن بن شيخ الإسلام عماد الدين. فلما حللت بدارهم ورأيت ما أذهلني من سبقهم للفضل. وبدارهم، صدق الخبر
الخبر .. وكنا خلال الإقامة بدمشق المحوطة، وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل والقصور والغوطة … كثيراً ما ننضم في سلك المذاكرة درر الأخبار الملغوطة، ونتفيأ من ظلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة.
339