من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨إلى أهله بالبراءة وإيفاد الرسل عليهم من أهل الدين يقدمهم الشيخ عمر رئيس تمنطيط يعظونهم ويدعونهم إلى الطاعة فلجوا في الإباية وأصروا على المعصية جهلاً وغباوة وإيذاناً أن لهم خزى الدنيا وعذاب الآخرة، وجمعوا للحصار بقصبة أولاد عبد الله منهم فحقدت عليهم الأجناد المجاهرة بالعصيان وامتعضوا عن إساءة الرد فالتهب صدورهم حنقاً عليهم فأجمعوا على استيصال شافتهم وقطع دابرهم فزحفوا إليهم وترجل سائر الفرسان والأبطال من جيش الأسل يومئذ عن خيلهم واستالاموا وأسبغوا من شكهم وتظاهروا في دروعهم ونصبوا الدرق أمامهم وشمروا سيوفهم وسابقوا الرجل من عساكر النار إلى معتصم المخالفين، حتى وقفوا لصق أسوار قصبتهم وتنادى بأشعار سائر العساكر فأرعدت رعود النار وضج الأفق من صواعقها الهاطلة على أهل الشقاق بشنابيب النار الموقدة والرصاص المنهل انهلال القطر، وحصى الحديد المنبعث من أفواه النفط الذي يدك الجبال ويصدع الصخر، وصابر القوم حر اليوم وحربه وأقاموا يصطلون بناره شقاء وغباوة وإيذاناً بأن لهم خزى الدنيا وعذاب الآخرة وامتنعوا من إلقاء اليد حتى اقتحمت عليهم العساكر معتصمهم غلاباً من بعد أن فاء في النهار وتبارى جيش الأسل وجيش النار في تناول راية السبق وإحراز الخصل في اقتحام القصبة على أهل الشقاق فلم يروعهم إلا انثيالهم عليهم من الفرج المتثلمة من السور بإلحاح المدافع عليه انثيال السيل فتناولهم القتل وحكموا السيف في الرجال منهم والنساء والولدان حنقاً عليهم حتى كلت سواعدهم، فتنادوا بهدم القصبة عليهم واستيصال شافتهم بالردم فلم يكن إلا كلمح البصر أو أقرب حتى أصر عوا جدارتها إلى الأرض والصقوها بالرغم وهويت ردماً على الخوارج فلم تبق منهم ولا من حيوانهم وسائر من يدب على الأرض من نعمهم ودوابهم عين تطرف فأطبق على الجميع تيار الهلكة فأصبحوا مثلاً في الغابرين. وعادت منازلهم بلاقع كأن لم تغن بالأمس وكان في ذلك أعظم عبرة للمعتبرين وأجل عظة للمتعضين.
عبد العزيز الفشتالي
مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفاء
تحقيق عبد الكريم كريم الرباط، 1972 ص ص 75 - 78
368