من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧اكتسب العياشي ثقافة دينية عميقة وأدبية واسعة، فبرز في علوم الحديث
ومسائل الفقه وقضايا الأدب واللغة، كما تأثر بالمناخ الفكري والتيارات الثقافية لعصره، فمال إلى الزهد والتصوف الذي جمع فيه كما قال بين أسلوب المشرق وطريقة المغرب، وقد اعتبر في وسطه المغربي من المطلعين على الحديث والعارفين باللغة والشعر ومن المتصوفين المعرضين عن الدنيا، فاكتسب احترام العامة وتقدير الخاصة، إلى أن وافته المنية عن من لا تتجاوز الثالثة والخمسين من عمره متأثراً بالوباء (الطاعون) الذي اجتاح المغرب حوالي سنة 1090 هـ /
1679
م.
ترك أبو سالم العياشي العديد من التصانيف منها منظومة في البيوع وأخرى في التصوف بعنوان تنبيه ذوي الهمم العالية على الزهد في الدنيا والآخرة أو إظهار المنة على المبشرين بالجنة كما ترك فهرساً جامعاً لشيوخه حسب أنواع العلوم التي أخذها عنهم بعنوان: «تحفة الأخلاء بأسانيد الأجلاء» على أن رحلته المشهورة بماء الموائد غطت على هذه المصنفات بل كانت الأثر التاريخي الذي خلد ذكره وأكسبه مكانة متميزة في تراث أدب الرحلة بالغرب الإسلامي.
سجل العياشي ما شاهده أثناء سفره نحو الحجاز في رحلته «ماء الموائده
عن
فجاءت وصفاً دقيقاً لطريق الحج المغربي ومحطاته ومنازله، وعرضاً شاملاً الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم التي مر بها أو توقف عندها، وقد كانت هذه الرحلة نتيجة لرحلاته الثلاث لأداء فريضة الحج في فترات متعاقبة حيث كانت رحلته الأولى سنة 1059 هـ / 1649 م ورحلته الثانية سنة 1064 هـ / 1653 م أما رحلته الثالثة فقد أتمها سنة 1074 هـ / 1661 م ووصل فيها إلى غزة والرملة ووقف على معالم بيت المقدس التي ذكرها بقوله: وبالجملة فغرائب الصخرة والمسجد الأقصى وما هو لها من المزارات شيء كثير كما تعرف على أحد شيوخ غزة وهو عبد القادر الغصين وجملة من علماء القدس مثل القاضي محمد النفاتي والعالم شهاب الدين الحنفي، وعمر العلمي إمام الصوفية بها، ومحمد الساحلي وقاسم إمام من أتباع الطريقة الرفاعية بها.
377