من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٠ودق الكتان والقنب والقطن وغزله وحياكته وقطعه وخياطته ولبسه وآلات كل ذلك، وآلات الحرث والأرحاء والسفن وتدبيرها في القطع بها للبحار، والدواليب وحفر الآبار وتربية النحل ودود الخز، واستخراج المعادن، وعمل الأبنية منها،
ومن
الخشب والفخار.
وكل هذا لا سبيل إلى الاهتداء إليه دون تعليم فوجب بالضرورة ولا بد أنه لا بد من إنسان واحد فأكثر علمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم، لكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة، فإذا لا بد من نبي أو أنبياء ضرورة، فقد صح وجود النبي والنبي في العالم بلا شك.
ومن البرهان على ما ذكرنا أننا نجد كل من لم يشاهد هذه الأمور لا سبيل له إلى اختراعها البتة كالذي يولد وهو أصم فإنه لا يمكن له البتة الاهتداء إلى الكلام ولا إلى مخارج الحروف.
وكالبلاد التي ليست فيها بعض الصناعات وهذه العلوم المذكورة كبلاد السودان والصقالبة. وأكثر الأمم. وسكان البوادي نعم والحواضر لا يمكن البتة منذ أول العالم إلى وقتنا هذا، ولا إلى انقضائه اهتداء أحد منهم إلى علم لم يعرفه، ولا إلى صناعة لم يعرف بها فلا سبيل إلى تهديهم إليها البتة حتى يعلموها. ولو كان ممكنا في الطبيعة التهدي إليها دون تعليم لوجد من ذلك في العالم على سعته وعلى مرور الأزمان من يهتدي إليها، ولو واحداً، وهذا أمر يقطع على أنه
لا
يوجد ولم يوجد.
وهكذا القول في العلوم، ولا فرق، ولسنا نعني هذا ابتداء جمعها في الكتب لأن هذا أمر لا مؤونة فيه إنما هو كتاب ما سمعه الكاتب وإحصاؤه فقط كالكتب المؤلفة في المنطق وفي الطب وفي الهندسة وفي النجوم، وفي الهيئة والنحو، واللغة، والشعر والعروض إنما نعني ابتداء مؤونة اللغة والكلام بها، وابتداء معرفة الهيئة وتعلمها وابتداء تعلم أشخاص الأمراض وأنواعها وقوى العقاقير. والمعاناة بها، وابتداء معرفة الصناعات صح بذلك أنه لا بد من وحي في كل ذلك.
الله تعالى
40