من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٤بذلك قدوة للأمة في تمسكها بعقيدتها ونموذجاً لطلبة العلم في طريقة حياتهم وأسلوب معيشتهم .. وقد التزم أبو زكريا في ذلك بالصدق واتصف فيما قيده بالنزاهة فهو يذكر الوقائع كما هي دون مدح أو ذم ويسجل فضائل خصوم الإباضيين مثل تسامح المعز لدين الله واسترضائه لأبي نوح سعيد بن زنقيل وأبي القاسم بن يزيد بعد فشل التمرد الذي قاداه ضد المعز، كما لا يتردد في نقد بعض الإباضيين لابتعادهم عن الصواب ومجانبتهم للحق.
بهذه المواصفات وتلك المعلومات يعتبر كتاب سير الأئمة لأبي زكريا الورجيلاني مرجعاً أساسياً لتاريخ الإباضية ومصدراً مهماً للدولة الرستمية بتيهرت. فهو صورة صادقة للحياة العلمية بمراكز الإشعاع الإباضي بالمغرب (قفصة وقنطراره وورجيلان (وتيهرت وما تميزت به من اجتهاد وجدل ومناقشات و مناظرات وسجل مفصل لرجالات المذهب الإباضي. ولهذا صار قدوة لمؤرخي الإباضية. فقد تأثروا به وقلدوه واقتبسوا منه، إذ نقل منه الشماخي فقرات طويلة في سيره وأدرج الدرجيني: قسماً كبيراً منه في طبقاته. وأخذ عنه أبو الربيع الوسياني الكثير من تراجمه في سير مشايخ المغرب واستفاد منه سليمان الباروني في الجزء الثاني من كتابه أزهار الرياض عندما تطرق إلى تاريخ الأئمة الرستميين. كما رجع إليه صاحب كتاب كشف الغمة في. أئمة عُمان. استناداً إلى ما أورده المستشرق الألماني ساخو (E. Sachau).
سير
لا توجد إلا نسخ نادرة من سير الأئمة لأبي زكريا بالمكتبات العالمية منها نسخة ذكرها المستشرق ليوسكي (wiki . بمكتبة لفوف (Lwow) تكون قد نقلت من مكانها بعد ضم المنطقة إلى الاتحاد السوفياتي بعد الحرب الكونية الثانية، ونسخة أخرى ترجمها الفرنسي إميل ماسكوراي (Masquerey) إلى الفرنسية (1878) ووضع لها تعاليق عديدة، فجاءت ركيكة في أسلوبها يشوبها الغموض ويتخللها حذف بعض الفقرات وتفتقر إلى الطريقة العلمية من إسناد وتحليل ومقارنة. وهذا ما اعترف به صاحب الترجمة وأكده كل من جورج مارسي (G. Margais) في مقالته حول الرستميين بدائرة المعارف الإسلامية. ولمويكي البولندي في مجلة الدراسات الإسلامية (1934) ولقد قام مؤخراً الباحث الجزائري
44