من التراث التاريخي والجغرافي للغرب الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢إسبانيا، دون أن يهمل بعض الأحداث الداخلية مثل عصيان صماته، وموقف الباي محمد الكبير من المتعاونين مع الإسبان من القبائل المقيمة بالقرب من وهران ودخوله إلى وهران بعد جلاء الإسبان عنها وإرساله مفاتيحها إلى باشا الجزائر ليقدمها للسلطان العثماني.
أما القسم الرابع من الثغر الجماني فقد خرج فيه ابن سحنون عن الموضوع الرئيسي وهو تاريخ وهران ومآثر حاكمها محمد الكبير إلى مواضيع تتصل بالثقافة العامة والاطلاع الشخصي، مثل الخيل والصيد والفلك والنجوم والأهرام ونيشان الريشة وسيرة صلاح الدين الأيوبي وهولاكو وتيمورلانك. وأصل البربر ودولهم، ومجادلة الإسبان في قضايا دينية مسيحية. ولعل أطرف ما في هذا القسم هو ما ذكره ابن سحنون عن الثورة الفرنسية التي عاصرها ووصلت إليه أخبارها وقد أشار إلى ذلك بقوله: ولقد قام في هذه السنة … الفرنج. عن جميع علمائهم (قسيسيهم) فنفوهم من البلاد والسبب في ذلك أن ملكهم كثر مصروفه. الشنان بينهم واتفقوا على أن لا يسود أحد أحداً بعلم ولا غيره وأن الناس كلهم سواء لا شريف ولا دنيء ومتى ظلم أحد أحداً انتصروا له جميعاً … وأبطلوا جمع المكوس والوظائف السلطانية وأخذوا جميع ما بأيدي علمائهم (القسيسين) من الأحباس والأموال ونفوهم من البلد. ثم قتلوا ملكهم وقاموا قوة واحدة على
من يعاديهم.
فاتصل
مما سبق يتضح لنا أن ابن سحنون أهتم خاصة بالأحداث التاريخية من مصادرها المختلفة فنقل عن سابقيه وسجل روايات معاصريه فكان مؤرخاً ناقلا وكاتباً مقيداً للأخبار التزم الحقيقة وتقيد بالصدق ولم يخف عاطفته الإسلامية، فأكد على فضل الجهاد الذي ارتبطت به عائلته منذ فتح وهران الأول، واستنكر مظالم الإسبان ضد المسلمين وأظهر فضائل العلم ومساهمة العلماء، كل ذلك في أسلوب أدبي تغلب عليه عبارات السجع الخفيف الذي لا يفسد المعنى وتتخلله قصائد المدح، مما يظهر ابن سحنون أديباً شاعراً متذوقاً ومؤرخاً مدققاً.
يعتبر كتاب الثغر الجماني أهم مصدر عن حياة وأعمال محمد الكبير وأوضاع
442